٧ أكتوبر الذكرى الثالثة الثابتة
المطلوب اليوم الحدّ الأدنى من الحكومة اللبنانية، وهو تثبيت انتشار الجيش اللبناني في الجنوب كلّه كقوة شرعية حقيقية، عوضًا عن وجود اليونيفيل أو أي قوات أجنبية. وهنا تظهر مسؤولية الدولة اللبنانية في مسارين متوازيين : تثبيت حضور الجيش ومؤسسات الدولة ميدانيًا، وتحويل المفاوضات من إدارة للأزمة إلى آلية لتنفيذ واضح ومتزامن للالتزامات، بدل أن يبقى لبنان عالقًا بين مطلب الانسحاب الإسرائيلي ومطلب نزع السلاح وتسليمه إلى الدولة...
خاص بوابة بيروت
في الذكرى الثالثة لأحداث السابع من أكتوبر، بعد هذه الأحداث الدموية الإرهابية تحت ذرائع «المقاومة»، فما كان احتمال مشروعيته موجودًا سقط بعد هذا التاريخ. حتى الذرائع الإنسانية سقطت، وصارت القوة المفرطة مشروعة بسبب وهم القوة. وما بعد هذا التاريخ لن يكون كما قبله. وهذا ما حدث.
فعندما تمّ ضرب «حقّ الوجود» بمشروعية وجود الحقّ، صارت القوة السبيل الوحيد، وطَار هذا الحقّ المشكوك في سرديّته التاريخية أساسًا. وسقطت ثقافة الوهم التي ترعرعت عليها أجيال. والقطار الذي كان يُمنع انطلاقه قد انطلق، وقطع اليوم، بعد ثلاث سنوات، أكثر من محطة. والشاطر هو الذي يخلّص وطنه، ويستقلّ هذا القطار في محطّته الأخيرة.
هذه الثقافة التي أدّت إلى هذه العاصفة التغييرية في العالم جوبهت بثقافة نقيضها. والمفارقة أن مَن حملها هو الذي لطالما عُرِف عنه بالمحتلّ والمعتدي والإرهابي، و… إلى ما هنالك من مصطلحات من الحقل المعجمي نفسه. وهذه الثقافة هي ثقافة السلام. لقد انطلق هذا القطار بالقوة، بعدما تمّ رفض انطلاقته على الناعم.
وبعد عام على إطلاق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في غزة، ونزع سلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة إعمار غزة، لا تزال الخطة متعثرة، بينما تستمر العمليات الإسرائيلية داخل القطاع. ما يعني عمليًا أن هذا القطار لا يزال بحاجة إلى دفع جديد من القوة المفرطة لينطلق. فلا قدرة على مواجهة سرعة انطلاقه. وهذا ما يؤكد أن الإسرائيلي يحضّر لجولات جديدة في المنطقة كلّها.
فالسيناريوهات عن «جولنة» جنوب لبنان ترتفع وتيرتها على وقع التصعيد الميداني، وعلى ما تسرّب من المصادر الإعلامية الإسرائيلية، فإن خطة الإقامة الشتوية باتت مكتملة كليًا، وهي تصل إلى حدود مدينتي صور والنبطية، وصولًا إلى جبال جزين. ما يؤكد عمليًا أن ما قد يكون بانتظار لبنان بعد الانتخابات الإسرائيلية هو سيناريو من نوع جديد، لا يقوم على قاعدة القضم، بل الحسم.
في مقابل مسعى لبناني لإيجاد صيغة دولية تحلّ محلّ اليونيفيل بعد انتهاء مهمتها. وهذه ليست بالضرورة سياسة إسرائيلية محسومة، لكنها تعكس خطورة استمرار الواقع الميداني من دون تسوية سياسية نهائية. فهكذا يصبح الجيش اللبناني بين سندان منظّمة حزب الله ومطرقة الإسرائيلي. وأي جلوس مع الإسرائيلي، ولو كان من طبيعة أمنية وعسكرية، لا يمكن اعتباره خرقًا تفاوضيًا، طالما لم يتبدّل أي شيء على أرض الواقع من قبل الحكومة اللبنانية.
السابع من أكتوبر 2026 سيستكمل ما بدأه في التاريخ نفسه من العام 2023، ولكن بطريقة معكوسة. بدأت من اليمن، حيث اتسعت رقعة التصعيد حول باب المندب. القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعوديًا واصلت هجومها لاستعادة مواقع استراتيجية على الساحل الغربي وبالقرب من المضيق، بينما يواصل الحوثيون الرد بالصواريخ والمسيّرات. وأعلنت السعودية تعرّض مطاري جازان ونجران لهجمات، مع إصابات وأضرار. وهذه الردود كلّها ستؤدي إلى سابع من أكتوبر بحق الحوثيين بتوقيع التحالف السعودي – الباكستاني – التركي.
فتفعيل التزامات الدفاع المشترك ضمن ما بات يُعرف بـ«حلف مكة» ينبئ بتطور مهم في بنية الأمن الإقليمي، حيث انتقلت المواجهة في اليمن من إطار سعودي–حوثي إلى مسار إقليمي أوسع. والخشية من أن يتحوّل هذا الإطار إلى غطاء مذهبي سنّي– شيعي يفجّر المنطقة برمّتها. ولكن هذا التفجير لن يكون لصالح إيران وملحقاتها. فموازين القوى اختلفت. واليوم الرئيس ترامب هو سيّد البيت الأبيض، والرئيس الأسبق أوباما بحالة تقاعد قسري.
المطلوب اليوم الحدّ الأدنى من الحكومة اللبنانية، وهو تثبيت انتشار الجيش اللبناني في الجنوب كلّه كقوة شرعية حقيقية، عوضًا عن وجود اليونيفيل أو أي قوات أجنبية. وهنا تظهر مسؤولية الدولة اللبنانية في مسارين متوازيين: تثبيت حضور الجيش ومؤسسات الدولة ميدانيًا، وتحويل المفاوضات من إدارة للأزمة إلى آلية لتنفيذ واضح ومتزامن للالتزامات، بدل أن يبقى لبنان عالقًا بين مطلب الانسحاب الإسرائيلي ومطلب نزع السلاح وتسليمه إلى الدولة.
هذه هي الفرصة الوحيدة في المحطة الأخيرة قبل أن ينطلق القطار الأعظم، الذي يقوده المهندس الأكبر لسياسة الشرق الأوسط الجديد، أي الوزير ماركو روبيو، الذي لن يقبل أن ينتهي عهد الرئيس ترامب من دون استكمال مسار الاتفاقيات الإبراهيمية بالكامل.
هذه هي ثقافة 7 تشرين 2026، شاء من شاء وأبى من أبى. ولن يكون لأي لبنان، حتى لو اختلفت جغرافيته أو نظامه السياسي، أي دور إن لم يكن دوره طليعيًا في بناء هذا الشرق الأوسط الجديد، جنبًا إلى جنب مع المهندس الأكبر، انطلاقًا من محفل جبل الأرز الأعظم.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير