رؤية جديدة للإستثمار في مرج بسري…
لم يكن مرج بسري عقبةً في طريق التنمية... ولن يكون. لكنّه اليوم في حالة انتظار، نتمنّى ألّا تطول!...
خاص بوابة بيروت
بعد أن أصبح مشروع سدّ بسري وراءنا، وانتقلت ملكيّة الأراضي بالكامل الى الدولة، لا بدّ من طرح خطّة جديدة للاستثمار في هذه المساحة الخصبة، تليق بالموارد الطبيعيّة المتوفّرة، وتؤسّس لتنمية مستدامة في المنطقة وجوارها، مع الحفاظ على توازن بيئي متكامل مع محيطه.
تبلغ مساحة المرج حوالي 5.7 كلم²، استملكته الدولة بالكامل لإنشاء السّد. معظم أراضيه منبسطة، ولا يتجاوز الفارق في الارتفاع عن سطح البحر الثلاثين مترًا بين ملتقى النهرين شرقًا (420 م) والجسر غربًا (390م). يتميّز مرج بسري بتربة خصبة جدًّا، نتيجة عدّة عوامل، أهمّها اثنان:
– تراكم الطمي لمئات السنين في قعر البحيرة، التي نشأت منذ خمسة عشر ألف سنة، إثر انهيار قسم من “شير الجوبة”، وانسداد مجرى النهر.
– ترسّب التربات المنجرفة من السفوح – شبه الجرداء – المطلّة على المرج، والتي تحملها المجاري المائيّة مع أمطار كل سنة.
كما يشهد المرج تدفّقات مائيّة سنويّة تقدّر بـ 150 مليون م³ كمعدّل وسطي، تؤمّن له فائضًا كبيرًا لمياه الرّي، ومخزونًا جوفيًّا يقدّر بـ 23 مليون م³، من الممكن استثماره في فصل الجفاف.
بلغ عدد العقارات المستملكة في مرج بسري، كلّيًّا أو جزئيًّا 966 عقارًا، توزّعت بين 65% في قضاء الشوف و35% في قضاء جزين، باتت جميعها ملكًا للدولة اللبنانيّة منذ 2016.
قبل التطرّق الى ما هو مطلوب الآن، تجدر الإشارة الى أنّ 861 مالكًا باتوا اليوم بدون مصدر رزق، كما أزيلت – بعد عمليّة الاستملاك – المشاريع الزراعيّة المستغلّة منذ عشرات ومئات السنين، وقد شملت 111.000 شجرة (بينها 82.000 معمّرة)، و26.7 هكتارًا من الزراعات الموسميّة، بالإضافة الى تشرّد حوالي 300 عامل مقيم بشكل دائم.
اليوم… هناك فوضى قانونيّة، اجتماعيّة واقتصاديّة تخيّم على المنطقة.
– من يستثمر في المرج؟ وكيف؟
– لا جواب.
لذلك نقترح خطّة عمليّة لإدارة سليمة لهذا المرفق العام، يستفيد منها كلّ من الدولة والمزارعين. تتناول الخطّة ثلاثة عنواين رئيسة، هي : السلامة البيئيّة، الاستثمار الزراعي المنتج والحفاظ على الإرث.
في السلامة البيئيّة
لا مبالغة، إذا اعتبرنا أنّنا في وضع كارثيّ صعب، نتيجة تدفّق المياه المبتذلة في مجاري النهر وروافده التي تتوزّع بين قضائي الشّوف وجزين. بعض القرى والبلدات أنشأت شبكات للصّرف الصّحّي ومحطّات للتكرير تعمل بمستوى جيّد، لكنّ عددها ما زال لا يتجاوز أصابع اليد، بينما تستمر سائر المجمّعات السكنيّة بالتعامل مع هذه المشكلة بطرق غير سليمة. والخطير في هذا الواقع أن عددًا كبيرًا من البلدات يقع في مناطق كارستيّة حيث ترتفع نسبة تسرّب المياه الملوّثة عبر التشقّقات الصخريّة لتختلط مع المياه الجوفيّة.
إزاء هذا الواقع، من المفروض أن تباشر الجهات المعنيّة من وزارات وبلديّات بالعمل على المعالجة، من خلال إنشاء شبكات للصرف الصّحّي ومحطات للتكرير مع الأخذ بالاعتبار بالعامل الجغرافي للمناطق وليس العامل الإداري، أي بحسب الإنحناء الطوبوغرافي المشترك بين عدّة بلدات. فتستفيد هذه البلدات من المجرى المائي المشترك، وتوفّر في حجم الإنشاءات وتختصر عدد محطات التكرير، على غرار ما فعلته بلدة “بتدّين اللقش” في قضاء جزين، إذ جمعت إليها البلدات التالية: “الحمصيّة”، “صبّاح”، “الحرف” بالإضافة الى “دير ومدرسة مشموشة”، في مشروع صرف صحّي واحد، ينتهي في محطّة تكرير حديثة، تعمل 24/24، وتنتج مياهًا صالحة لريّ المزروعات. كما أنّ عددًا من البلدات قد نجحت في استثمار مشترك (كاتحاد بلدات الشوف الأعلى والسويجاني)، لكنّ الأوضاع الماليّة الصعبة أعاقت استمراريّة العمل كما يجب.
في التوازن البيئي أيضًا، يجب إعادة النظر بالرخص المعطاة للمرامل في المرج ومحيطه، والطلب من المستثمر أن ينفّذ شروط تأهيل المنطقة المخرّبة بعد انتهاء مدّة الرخصة، كما ينصّ عقد الاستثمار.
ولتحقيق توازن بيئي شامل ومستدام، يجب الالتزام بالمبادئ التي تحفظ جودة العناصر الأساسيّة كالمياه والتربة وغيرها، والعمل على ضبط التصرّفات المشاكسة. فلا تهاون مع استعمال المبيدات والأسمدة الكيماويّة بشكل غير مدروس ممّا يساهم في كسر السلسلة الغذائيّة وتدمير عناصر حيويّة أساسيّة، (كالنحل مثلًا)، أو غضّ النظر عن إزالة الغطاء النباتي – غابات أو سليخ – بسبب الحرائق أو القطع الجائر، دون أدنى تعويض. وهنا، يتظهّر دور المدارس والنوادي والجمعيّات والبلديّات المدعوّة الى تنظيم مبادرات لإحياء المساحات الخضراء، وبالأخص المشاعات.
في الاستثمار الزراعي المنتج
لم تعد معظم الزراعات التقليديّة، في مرج بسري، كما في الكثير من المناطق اللبنانيّة، قادرة على تأمين الانتاجيّة العالية والمنافسة. لذلك علينا أن نتطلّع الى مشاريع زراعيّة جديدة، تفرض تسويقها محلّيًّا وعالميًّا، وتؤمّن مردودًا مشجّعًا. إضافةً الى الظروف الطبيعيّة لمرج بسري (مناخ متوسطي دافئ، أمطار غزيرة، وتربة مرتفعة الخصوبة)، هناك العشرات من المشاريع الزراعيّة التي يعوَّل عليها، وقد أثبتت نجاحها في العالم، ومن الممكن اعتمادها، ويُفضّل أن تكون زراعة مكثّفة حيث العائدات الماليّة تكون مرتفعة .
على سبيل المثال :
– زراعة الصبّار الأملس (أو الشوكي)، نموذج صحراء نيڤادا في الولايات المتّحدة الأميركيّة، حيث انتشرت زراعة هذا الصنف على مئات الهكتارات، وتمّ إنشاء معمل لإنتاج العصير الطبيعي، وتصديره نحو الأسواق العالميّة. تُقدّر الإنتاجية لهذه الزراعة بـ 12 طن من الثمار وحوالي 500 طن من الكتلة الرطبة التي تُستعمل في انتاج الأعلاف (وقد تصل الى 800 طن في المناطق المرويّة التي تشبه مرج بسري). تُقدّر عائدات الثمار ما بين 15.000 و 25.000 دولار / هكتار، والأعلاف بين 3.000 و 6.000 دولار / هكتار.
– زراعة النباتات العطريّة كالتي نراها في فرنسا وهولندا. تبلغ عائدات زراعة الخزامى (Lavande) مثلًا بين 25.000 و 75.000 دولار / هكتار كانتاج زهور، وبين 100.000 و 250.000 دولار / هكتار كانتاج عطور. إضافة الى هذه الأرقام المرتفعة هناك أيضًا عائدات السياحة الزراعيّة الناشطة جدّا في عدّة دول في العالم. أمّا التوليب (Tulipe) فتتراوح عائداته بين 60.000 و 120.000 دولار / هكتار.
– زراعة النباتات الطبيّة وهي من أكثر القطاعات الزراعية نمواً في العالم نظراً للاعتماد المتزايد عليها في صناعات الأدوية، ومستحضرات التجميل، والمكمّلات الغذائيّة المعروفة في أكثر من مجال. تنتشر زراعتها في آسيا كما في أوروبا والأميركيّتين. ومن أكثر هذه الأصناف انتاجيّةً نبتة الألوفيرا (Aloe vera) التي تؤمّنّ دخلًا ماليًّا بحدود 12.000 دولار / هكتار، وهي مطلوبة جدًّا لصناعة مستحضرات التجميل.
في الحفاظ على الإرث
يعتبر مرج بسري حالة جغرافيّة متميّزة عن سواها، وذلك بسبب تشابك الأمور بين التحديّات البيئيّة، والمشاريع التنمويّة، وتأثير الرأي العام. ولعلّ الترفّع عن التنازع بين التطوير الإنمائي والحفاظ على الآثار، هو أولويّة، لأنّ الحياة لا تتوقّف عند أوّل تعثّر، وباستطاعة المراجع الرسميّة أن تُكمِل ما وصلت إليه الأبحاث السابقة، وتهيّئ المعطيات لغَدٍ زاخر بالمبادرات الجدّيّة والموثوقة.
لقد وثّقت المراجع الموكلة بدراسة مشروع سد بسري 27 موقعًا تراثيًّا في المرج، كان من المقرّر أن يتمّ نقلها الى أماكن مجاورة والحفاظ عليها، بالإضافة الى 51 موقعًا في الجوار.
أمّا وما زالت هذه الآثار في مواقعها، فإننا نقترح أن تُولي وزارة الثقافة هذه الثروة الوطنيّة إهتمامًا كبيرًا، يبدأ بعمليّة إحصائيّة شاملة أو ما يسمّى “الجرد”، تليها عمليّات تنقيب، بتوجيه من “مديريّة الحفريّات الأثريّة”، عن آثار محتملة لا سيّما وأن الردميّات الرسوبيّة في المرج تبلغ سماكتها عشرات الأمتار، ومن الطبيعي أن تحتضن بقايا حجريّة جديرة بالكشف والاهتمام (مثلًا في محيط الأعمدة الصامدة من الهيكل الروماني). كما نقترح ترميم بعض هذا الآثار بإشراف علماء مختصّين، وإشراف “مديرية المنشآت الأثرية والتراث المبني”، تعويضًا عمّا خسرته من جرّاء الزلازل، وبعض أعمال التخريب.
أمّا بالنسبة لإدارة هذا المرفق الحيويّ، فلا ضير من إشراك القطاع الخاص بالمسؤوليّة، ضمن إطارٍ يشبه التعاون بين “مديرية الآثار” و”إدارة محميّات الشوف”، حيث أثبتت الوقائع نجاح التجربة. وفي مرج بسري خيارات عديدة للاستثمار، في السياحة البيئيّة، والمرافق المعنيّة بالضيافة، كالفنادق والمطاعم والنوادي وغيرها…
في النهاية، لم يكن مرج بسري عقبةً في طريق التنمية في أجمل موقع جغرافي على السلسلة الغربيّة… وبالطبع، لن يكون. لكنّه اليوم في حالة انتظار، نتمنّى ألّا تطول!…
في المقال المقبل سوف نلقي الضوء على الطاقة الكهرومائيّة… إنتاجيتها ومستقبلها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير