إرادة الحياة…

خاص بوابة بيروت

في ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦، قال الشعب كلمته وخرج إلى الشارع. كان السبب المباشر نية الحكومة اللبنانية فرض رسوم مالية على استخدام تطبيقات الاتصال عبر الإنترنت، والأخص تطبيق واتساب. ولكننا نعلم جيدًا أن هناك تراكمات من الفساد والاستهتار السياسي والتعطيل المستمر للعيش بكرامة.

لكن هناك مشكلتان أساسيتان كانتا سببًا لتعثر تلك الثورة وعدم الوصول إلى أهدافها كاملةً.

أولًا، كل ثورة ناجحة هي ثورة أُسِّست جذورها من قبل مفكرين وفلاسفة، مثل الثورة الفرنسية التي حرّكها مفكرو عصر الأنوار. أما في لبنان، فكانت الثورة نابعة من غضب، لا أساس فلسفي وفكري له، غضب شعب كامل مختلف اجتماعيًا وسياسيًا: لا قيادة، لا أهداف ثابتة، ولا أساس، هذا ما أخفقت فيه الثورة.

ثانيًا، من أول يوم اندلعت فيه ثورة ١٧ تشرين، عُمِّم قول «كلن يعني كلن». كان من الطبيعي للشعب لوم الجميع، لأنها كانت ثورة لا أساس فكري وعلمي لها، ولم يكن هناك من يوجّه غضب الشعب، فوجّهه على الجميع. لكن اتهام كل الأحزاب بالفساد والمطالبة بعدم وجودهم في المرحلة المقبلة كان أكبر خطأ للثورة. فالثورة، أي المجتمع المدني، لا يمكن أن تبدّل الأحزاب وتعمل عملهم. المجتمع المدني ينتخب، والأحزاب تفعل. فإذا كان من لا يمكنه العمل بالسياسة يطالب من لهم الإمكانية بالانسحاب، فمن يعمل بالسياسة؟ وهذه كانت الخطيئة الكبرى، انتخب الشعب نوابًا تحت اسم التغيير، نوابًا لا صلة لهم بالتغيير في الأساس.

هذا هو لبنان، بلد الحريات والثقافات، بلدٌ عرف يومًا ازدهارًا لم تعرفه أعظم الدول. وطنٌ يجمع أبناءه، ولو أنّ أبناءه لم يجتمعوا يومًا.

نتحدّث عن بلد عرف الدماء والقتل والشهداء، بلد عرف الاغتيالات والمؤامرات والفساد، بلد لوّث حكّامه اسمه وثقافته.

بلدٌ لم يسكت أبناؤه عن الظلم، فنزلوا… ثاروا… رفعوا الصوت ونادوا «خُدّام الشعب»، ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام الجيش… الجيش اللبناني.

فضربوا له التحية احترامًا لتضحياته، إلّا أنهم وجدوا أنفسهم يُضرَبون بالهراوات والرصاص المطاطي، بأوامر تلك الشياطين التي، بدلًا من أن تواجه الشعب، أمرت حامي الوطن بمواجهة أبنائه. فوجدنا أخًا مُجبَرًا يعتدي على أخيه الموجوع، والدمعة على عينه. أرسلوا مكافحة الشغب إلى الساحات، وهم يعلمون جيدًا أنّ الشغب الحقيقي موجود في قصورهم. هذا هو لبنان… بلد التناقضات.

بلدٌ استشهد فيه رجالٌ عظماء لحماية القضية الوطنية، ورجالٌ قَتلت القضيةُ لحماية القضايا الخارجة عن الوطن. صحافيّون ماتوا لتحيا الكلمة وحرية التعبير، و«صحافيون» لم يحترموا يومًا الكلمة. «صحافيون» نسوا ما هي الحرية وما هو التعبير. بلدٌ كتب تاريخًا عظيمًا وراقيًا… ينساه العالم عامًا بعد عام.

بلدٌ كانت عاصمته مأوى لكل مظلوم، لكل من كان يبحث عن الحرية… فأصبح هو فاقدًا للحرية. بلدٌ كان أطفاله يحلمون بمستقبلهم فيه… فأصبح هو يحلم بعودة أطفاله إليه. هذا هو لبنان… بلدٌ دون عيد، ودون استقلال. لكن في نهاية المطاف، الظلمة لن تقوى على النور، والحلم سيتحقّق…

اخترنا لك