عين دارة في مواجهة الكسّارات مجددًا: مَن يملك حقّ الترخيص بجرح الجبل؟
يعود الملف إلى الواجهة، مع شكاوى من أبناء البلدة ومعلومات عن منح المجلس البلدي الحالي ترخيصاً يسمح باستئناف أعمال الكسّارات. وبين الشكاوى والصور التي يقدّمها الأهالي، يبرز سؤال لا يجوز تجاهله: كيف يمكن لقرار يمسّ الجبل والبيئة وراحة السكان أن يُتّخذ من دون توضيح علني يضع أبناء البلدة أمام حقيقة ما يجري؟ جبلٌ دفع الثمن… فهل يُطلب منه أن يدفعه مرّة أخرى؟
خاص بوابة بيروت
من معركة الأمس دفاعًا عن الأرض، إلى صرخة اليوم في وجه قرار بلدي يثير الأسئلة: هل تعود الكسّارات إلى عين دارة من بوّابة الترخيص، بعدما عجزت سنوات من الاعتراضات عن إسكات صوت الأهالي؟
ليست عين دارة مجرّد بقعة على خريطة جبل لبنان، وليست جبالها حجارةً تنتظر من يقتلعها، ولا أشجارها تفصيلاً أخضر يمكن الاستغناء عنه متى تعارض مع مصلحة عابرة. إنّها بلدة لها ذاكرتها وهويّتها وبيئتها، وأرض ارتبط اسمها بغابات الصنوبر والسنديان وبالتفّاح الذي اشتهرت به. لكنّ هذه الصورة الخضراء لطالما اصطدمت بواقع الكسّارات التي تركت آثارها في الجبل، وأثارت اعتراضات ومخاوف بيئية متكرّرة.
واليوم، يعود الملف إلى الواجهة، مع شكاوى من أبناء البلدة ومعلومات عن منح المجلس البلدي الحالي ترخيصاً يسمح باستئناف أعمال الكسّارات. وبين الشكاوى والصور التي يقدّمها الأهالي، يبرز سؤال لا يجوز تجاهله: كيف يمكن لقرار يمسّ الجبل والبيئة وراحة السكان أن يُتّخذ من دون توضيح علني يضع أبناء البلدة أمام حقيقة ما يجري؟
جبلٌ دفع الثمن… فهل يُطلب منه أن يدفعه مرّة أخرى؟
ليست المخاوف البيئية في عين دارة وليدة اليوم، ولا هي مجرّد انطباعات عاطفية لأهالٍ يحنّون إلى مشهد جبلهم. ففي دراسة منشورة عام 2020 عبر مستودع الجامعة الأميركية في بيروت، تناولت جوليا أبي صعب الأضرار البيئية المرتبطة بأنشطة المقالع والكسّارات في البلدة، وما أحدثته من تغييرات في المشهد الجبلي والطبيعة المحيطة، فضلاً عن المخاطر التي قد تطاول صحة السكان. وتناولت الدراسة تأثير هذه الأنشطة في الغطاء النباتي والقمم الجبلية وانسياب المياه وشكل الأرض الطبيعي.
هذه ليست لغة الشعارات، بل ملف بيئي يستحقّ أن يُدرس قبل اتخاذ أيّ قرار جديد، وأن يُواجَه بمعطيات علمية واضحة، لا بتطمينات عامة أو بعبارة «كلّ شيء قانوني» من دون مستندات تتيح التحقّق.
وفي حزيران 2016، وثّقت صحيفة «النهار» تحرّكات بيئية في عين دارة، شارك فيها مواطنون وجمعيات بيئية وأعضاء من المجلس البلدي، لمعاينة الأضرار المرتبطة بالمرامل والكسّارات والتحذير من مخاطر التوسّع في هذه الأنشطة، ولا سيّما في المناطق ذات الحساسية البيئية.
أي إنّ عين دارة لم تستيقظ اليوم على المشكلة؛ فقد خاض أهلها نقاشًا طويلًا حولها ورفعوا الصوت دفاعًا عن أرضهم. لذلك، لا يمكن التعامل مع أيّ خطوة جديدة في هذا الملف كأنّها إجراء إداري عادي، منفصل عن تاريخ البلدة وتجاربها ومخاوف أبنائها.
للاطّلاع: دراسة الجامعة الأميركية في بيروت عن الأثر البيئي للكسّارات في عين دارة، تقرير «النهار» عن التحرّكات البيئية في عين دارة.
مارون بدر: استغرابٌ من قرار بلدية كان من داعميها
وفي سياق المواقف المتصلة بهذا الملف، أبدى رئيس بلدية عين دارة السابق، العميد مارون بدر، استغرابه من منح البلدية الحالية ترخيصًا للكسّارات، مشيرًا إلى أنّه كان من الداعمين لها، ولم يكن يتوقّع أن تتّخذ قراراً من هذا النوع.
ويطرح موقف بدر سؤالاً يستحقّ الإجابة: ما الذي استجدّ حتى يُتّخذ قرار بهذه الحساسية؟ وما الاعتبارات التي استند إليها المجلس البلدي؟
فالخلاف هنا لا ينبغي أن يتحوّل إلى سجال شخصي بين مؤيّد ومعارض، ولا إلى تصفية حسابات بين أطراف محلية. جوهر القضية أكبر من الأشخاص: هل اتُّخذ القرار بعد مراجعة شاملة لأثره البيئي والقانوني؟ وهل أُطلع أبناء البلدة على حيثياته وشروطه؟ وهل أُخذت مخاوفهم في الاعتبار؟
إنّ دعم مجلس بلدي لا يعني منحه شيكًا على بياض، كما أنّ الاعتراض على قرار لا يعني الخصومة مع البلدة أو مؤسساتها. فالمعيار الحقيقي لأيّ مجلس هو ما يتّخذه من قرارات، والأسس التي يستند إليها، ومدى استعداده لتبريرها أمام الناس.
«قدّيش قبضت البلدية لحتى باعت الضيعة؟»
هذا هو السؤال الغاضب الذي يتردّد بن الأهالي، وفقاً للشكاوى الواردة في هذا الملف. وهو سؤال يعكس حجم انعدام الثقة الذي أثاره القرار، لكنّه لا يشكّل، بحدّ ذاته، دليلاً على حصول رشوة أو صفقة مالية.
ومن هنا، لا يكفي أن يُقابَل غضب الأهالي بالتجاهل، ولا أن يُختزل اعتراضهم بانفعال عابر. المطلوب من البلدية أن تجيب بالوثائق والوقائع: هل صدر الترخيص فعلاً؟ ما طبيعته وحدوده؟ ما العقارات التي يشملها؟ ما مدّته وشروطه؟ وما الموافقات القانونية والبيئية التي استند إليها؟
إذا كان الترخيص مستوفيًا للشروط، فإنّ نشره وتوضيح أسسه يتيحان للناس الاطّلاع على الحقيقة، ويساعدان على وضع حدّ للشائعات. أمّا إذا كانت هناك نواقص أو مخالفات، فإنّ كشفها يتيح للجهات المختصّة القيام بواجبها.
إنّ ترك الأسئلة معلّقة يفتح الباب أمام الشكوك، ويحوّل قرارًا إداريًّا إلى أزمة ثقة بين البلدية وأبناء البلدة. الشفافية لا تُضعف البلدية، بل تحميها؛ والصمت لا يطفئ الشكّ، بل قد يزيده اشتعالاً.
من التفّاح إلى الغبار: ماذا يبقى من هويّة البلدة؟
في عين دارة، لا ينحصر النقاش في حجارة تُستخرج أو آليات تتحرّك. فالمسألة تتعلّق بعلاقة الإنسان بأرضه، وبمصير بيئة تشكّل جزءًا من هويّة البلدة ومصدر عيش أبنائها.
ومع توسّع أعمال المقالع والكسّارات، تبرز أسئلة جدّية حول الغبار المتطاير والضجيج وحركة الشاحنات وتأثير هذه الأنشطة في التربة والمياه والغطاء النباتي. غير أنّ تحديد حجم الضرر في المواقع المعنيّة اليوم يحتاج إلى معاينة ميدانية وقياسات موثّقة، لا إلى أحكام مسبقة ولا إلى نفي غير مسند.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة إلى المزارعين الذين يخشون على أشجار التفّاح وسائر المزروعات. فالمحصول ليس مجرّد ثمار تُقطف في موسمها؛ إنّه تعب عام كامل، ومصدر رزق، وامتداد لعلاقة قديمة بين الأرض وأهلها.
فأيّ تنمية هذه التي قد تمنح مكسبًا آنيًا، فيما تترك للمجتمع المحلي كلفة بيئية واقتصادية طويلة الأمد؟ وأيّ إنماء يُقاس بما يُستخرج من الجبل، لا بما يُصان فيه ويُزرع ويُترك للأجيال المقبلة؟
ليس المطلوب افتراض أنّ كلّ كسارة مخالفة، ولا القول إنّ جميع الأنشطة في هذا القطاع تُحدث الأضرار نفسها. المطلوب هو إخضاع أيّ ترخيص للشروط القانونية والبيئية، ومراقبة تطبيقها فعلياً، والتأكّد من ألّا تصبح مصالح السكان وحقوقهم الحلقة الأضعف في المعادلة.
البلدية أمام اختبار الشفافية والمسؤولية
إذا كان المجلس البلدي قد منح الترخيص، فمن حقّ أبناء البلدة معرفة الأسس التي استند إليها، ومن واجبه توضيح حيثيات قراره. فالأرض ليست ملكاً إدارياً لمجلس يتصرّف بها بمعزل عن الناس، والبيئة ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد بدء الأعمال.
من هنا، تبرز مطالب واضحة لا تحتاج إلى شعارات كبيرة، بل إلى خطوات عملية:
- نشر نسخة من الترخيص والقرارات والموافقات التي استند إليها، وفقاً للأصول القانونية.
- توضيح الموقع والمساحة والمدة وشروط العمل، وما إذا كان الترخيص يشمل أعمالاً جديدة أم نشاطاً قائماً.
- إتاحة الاطّلاع على الدراسات البيئية ذات الصلة، والتحقّق من استيفاء الموافقات المطلوبة.
- إجراء معاينة ميدانية مستقلة عند الاقتضاء، ونشر نتائج قياسات الغبار والضجيج والمياه والتربة حيث تكون هذه القياسات لازمة.
- توضيح آليات الرقابة والمحاسبة والإجراءات المتّخذة عند ثبوت أيّ مخالفة.
هذه ليست مطالب تعجيزية، ولا استهدافًا للمجلس البلدي، بل هي من أبسط مقتضيات الإدارة المسؤولة، ولا سيّما عندما يتعلّق الأمر بقرار يثير اعتراضات ومخاوف تمسّ حياة السكان وممتلكاتهم.
لا تكفي الرخصة لتبديد الأسئلة
قد يكون الترخيص مستندًا إلى موافقات معيّنة، وقد يكون موضع اعتراض قانوني أو بيئي؛ ولا يمكن حسم ذلك من دون الاطّلاع على المستندات والتحقّق من الوقائع. لكنّ ما لا يمكن تجاهله هو أنّ تاريخ الكسّارات في عين دارة يجعل الشفافية ضرورة، لا مجرّد خيار.
فالترخيص، إذا صدر، ليس نهاية النقاش، بل بداية مسؤولية: مسؤولية التأكّد من قانونيته، واحترام شروطه، وعدم تحوّله إلى غطاء لأيّ تجاوزات محتملة. فالقانون لا يُقاس بما هو مكتوب على الورق وحده، بل بما يُطبَّق على الأرض.
وإذا كان الأهالي قد قدّموا شكاوى وصوراً توثّق ما يثير قلقهم، فإنّ الخطوة المنطقية التالية هي التحقّق منها ميدانياً ومقارنتها بشروط الترخيص، لا الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو إصدار المواقف.
فالصور تفتح باب السؤال، والمستندات تساعد في التحقّق، والمعاينة تكشف ما يمكن إثباته. أمّا الحقيقة فلا تُبنى على الشك وحده، كما لا يجوز أن تُدفن تحت الصمت.
عين دارة ليست حجارة تُكسَر… بل أمانة لا يجوز التفريط بها..
في النهاية، ليست القضية معركة بين بلدية وأهالٍ، ولا بين مؤيّدين ومعارضين، بل هي اختبار للشفافية والمسؤولية، وللقدرة على التوفيق بين أيّ نشاط اقتصادي مشروع وحقّ المجتمع في بيئة سليمة.
من حقّ البلدية أن تشرح موقفها، ومن حقّ الأهالي أن يسألوا، ومن واجب الجهات المختصّة أن تتحقّق. فلا الاتهام غير المثبت يبني قضية، ولا الصمت يبدّد الشكوك، ولا أيّ ترخيص يعفي أصحابه من المساءلة القانونية والبيئية.
فمن منح الترخيص؟ وعلى أيّ أساس؟ وأين الضمانات التي تحمي الجبل وأرزاق الناس؟
هذه الأسئلة لا تُجاب بالانفعال، بل بالوثائق والشفافية والمحاسبة.
عين دارة لا تحتاج إلى وعود خضراء فيما يخشى أهلها على طبيعتها وأرزاقهم، ولا إلى خطابات عن الإنماء إذا بقيت الأسئلة الأساسية بلا أجوبة. إنّها تحتاج إلى قرار واضح، ورقابة فعلية، ومصارحة لا تخشى الضوء.
فالجبل الذي دفع ثمن التعدّيات في ماضيه لا يجوز أن يُحرم حقّه في الحماية، والبلدة التي خاض أهلها معارك دفاعًا عن أرضهم لا ينبغي أن تُترك أمام أسئلة جديدة بلا أجوبة.
في عين دارة، يجب ألّا يكون الحجر أغلى من الشجر، وألّا تكون الرخصة أقوى من المسؤولية، وألّا يصبح صمت المؤسسات أعلى من صوت الناس.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير