ماذا ورّثنا لأولادنا؟ وطنٌ في المرتبة الثانية وطائفةٌ في المرتبة الأولى
في لبنان، يبدو المشهد مختلفاً. نحن شعب نملك كل مقوّمات الاعتزاز بوطننا، تاريخاً غنياً، وثقافة متنوّعة، ولغة تركت بصمتها في العالم، وطاقات بشرية أثبتت نجاحها أينما أتيحت لها الفرصة. ومع ذلك، عجزنا عن تحويل هذه العناصر إلى هوية وطنية تتقدّم على انتماءاتنا الضيّقة...
خاص بوابة بيروت
خلال سنوات عملي وتنقّلي بين بلدان وثقافات مختلفة، لفتني أمر يستحق التأمّل. تختلف الشعوب في لغاتها وأديانها وعاداتها وتجاربها التاريخية، لكن المجتمعات التي تنجح في بناء دولة تحاول، بدرجات متفاوتة، أن تجمع أبناءها حول هوية وطنية مشتركة، ومؤسسات تحميهم، ورموز يشعرون بأنها تمثّلهم جميعاً. قد يختلف المواطنون في السياسة، وقد يتخاصمون حول الانتخابات والحكومات والقرارات الاقتصادية، لكن يبقى هناك حدّ أدنى من الانتماء الذي لا يفترض أن يكون موضع مساومة، الوطن ليس ملكاً لحزب، ولا لطائفة، ولا لزعيم.
في لبنان، يبدو المشهد مختلفاً. نحن شعب نملك كل مقوّمات الاعتزاز بوطننا، تاريخاً غنياً، وثقافة متنوّعة، ولغة تركت بصمتها في العالم، وطاقات بشرية أثبتت نجاحها أينما أتيحت لها الفرصة. ومع ذلك، عجزنا عن تحويل هذه العناصر إلى هوية وطنية تتقدّم على انتماءاتنا الضيّقة.
لماذا؟ لأن كثيرين منا تربّوا على أن يسألوا أولاً، من أي طائفة أنت؟ ولأي زعيم تنتمي؟ ومن يحمي جماعتك؟ قبل أن يسألوا ما موقفك من القانون؟ ماذا قدّمت لبلدك؟ وهل تقبل أن يُظلم مواطن آخر لأنك تختلف معه في الدين أو السياسة؟
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. نحن لا نرث من أهلنا وأجدادنا العادات والتقاليد فقط، نرث أيضاً مخاوفهم، وأحكامهم المسبقة، وذاكرتهم عن الآخرين، وأحياناً عداوات لم نصنعها بأنفسنا، لكننا نواصل الدفاع عنها وكأننا عشنا أحداثها.
قد يكبر الطفل وهو يسمع أن جماعته كانت دائماً على حق، وأن الآخرين كانوا دائماً مصدر الخطر. وقد يتعلّم أن انتصار زعيم من طائفته انتصار له شخصياً، حتى لو لم يتحسّن وضعه المعيشي، وأن هزيمة خصمه أهم من نجاح الدولة التي يعيش فيها.
ومع مرور الوقت، يصبح الانتماء الطائفي موقفاً سياسياً، ثم يتحوّل إلى معيار للحكم على الناس، وأحياناً إلى مبرّر لتجاوز القانون.
وهكذا نصل إلى المفارقة اللبنانية، قد يرفض المواطن فساد مسؤول، لكنه يدافع عنه إذا كان من جماعته. وقد يطالب بالمحاسبة، ثم يعترض عليها عندما تطال زعيمه. وقد يشتكي من انهيار الدولة، لكنه يساهم، عن قصد أو عن غير قصد، في حماية المنظومة التي أضعفتها.
أيّ دولة يمكن أن تُبنى بهذه العقلية؟ المشكلة لا تقف عند حدود السياسة. إنها تمتد إلى التربية والتعليم، وإلى الطريقة التي نروي بها تاريخنا لأبنائنا.
في دراسة أكاديمية نُشرت عام 2023 حول تعليم التاريخ وتشكيل الهويات في المجتمعات المنقسمة، تناول الباحثون الحالة اللبنانية وخلصوا إلى أن كتب التاريخ المستخدمة في بعض المدارس تعزّز هويات مرتبطة بالجماعات الدينية، رغم وجود محاولات لترسيخ هوية مدنية مشتركة.
هذه ليست مسألة تربوية هامشية. إنها مسألة تتعلّق بنوع المواطن الذي نريد أن نخرّجه إلى المجتمع. مواطن يرى نفسه جزءاً من دولة تجمعه بغيره، أم فرداً يشعر أن خلاصه لا يكون إلا داخل جماعته؟ إذا لم نتفق على تاريخ نتعلّم منه، فكيف سنبني مستقبلاً نتشارك فيه؟
لا يعني ذلك أن نمحو خصوصيات الطوائف أو أن نتنكّر لتنوّع لبنان. على العكس، إن احترام هذا التنوع هو أحد عناصر قوة البلد. لكن ثمة فرقاً كبيراً بين أن تحترم دينك وأن تجعل منه حدوداً تفصل بينك وبين مواطنيك، وبين أن تعتزّ بجماعتك وأن تعتبرها أعلى من القانون والدولة.
الدين علاقة إيمان وقيم وأخلاق، وليس رخصة سياسية. والطائفة مكوّن اجتماعي، وليست وطناً بديلاً. أما الدولة، فهي الإطار الذي يفترض أن يحمي الجميع، من دون أن يسأل أحداً عن مذهبه قبل أن يمنحه حقه.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بصراحة. هل نمارس القيم التي نقول إننا نؤمن بها، أم نستخدم الدين والهوية غطاءً لمصالحنا السياسية؟
كيف يمكن أن نتحدث عن الأخلاق ونبرّر الفساد؟ كيف نرفع شعارات العدالة ونرفض محاسبة من ينتمي إلينا؟ كيف ندّعي حب الوطن، ثم نقبل أن يبقى رهينة مصالح الطوائف والأحزاب؟ وكيف نطالب بالاستقرار، بينما يتحوّل كل خلاف إقليمي إلى مناسبة جديدة لانقسام اللبنانيين واتخاذهم مواقع متناقضة داخل بلدهم؟
لسنا مضطرين إلى الاتفاق على كل شيء. ولا يُطلب من اللبناني أن يتخلّى عن رأيه أو أن يصمت أمام الظلم. لكن المطلوب أن نتعلّم الفرق بين الاختلاف السياسي وتحويل الوطن إلى ساحة صراع دائم، وبين التضامن مع الآخرين والتخلّي عن مسؤوليتنا تجاه بلدنا.
ومن هنا، لا بدّ من التوقف عند علاقتنا بالحروب. لماذا يسارع بعض اللبنانيين إلى الانقسام حول كل نزاع في المنطقة والعالم، وكأن المطلوب منهم أن يختاروا طرفاً قبل أن يسألوا عن مصلحة لبنان؟ لماذا نتعامل أحياناً مع الحروب البعيدة باعتبارها معارك تخصّنا، بينما لا نتعامل مع أمن اللبنانيين ومستقبلهم باعتبارهما الأولوية التي لا يجوز تجاوزها؟
من حقنا أن نتعاطف مع الشعوب المظلومة، وأن نرفض الاحتلال والعدوان والقتل، وأن نعبّر عن مواقفنا الأخلاقية والإنسانية. لكن التضامن لا يعني أن نجرّ بلدنا إلى حروب لا يقرّرها جميع أبنائه، ولا أن نقبل بأن يدفع اللبنانيون ثمن حسابات لا يملكون قرارها. حب الإنسان لا يتجزأ بحسب هويته. ورفض الحرب لا يتبدّل بحسب هوية من يشعلها. أما السلام، فليس ضعفاً ولا خيانة، بل قد يكون الشرط الأول لحماية الناس وبناء الاقتصاد واستعادة الدولة.
وهنا أعود إلى السؤال الأساسي: ماذا نريد أن نورّث أولادنا؟
هل نريدهم أن يرثوا أسماء الزعماء وشعارات الأحزاب وذاكرة الخوف، أم أن يرثوا بلداً يفتخرون به؟ هل نريدهم أن يتعلّموا كيف ينتصرون لطائفتهم، أم كيف ينتصرون للحق حتى لو كان الحق في مواجهة جماعتهم؟ هل نريدهم أن يكبروا وهم يخشون بعضهم بعضاً، أم أن يعرفوا أن اختلاف الدين أو الرأي لا ينتقص من حق أي إنسان في الكرامة والأمان والمواطنة؟
هذه الأسئلة ليست مسؤولية الدولة وحدها، ولا المدرسة وحدها، ولا السياسيين وحدهم. إنها مسؤوليتنا جميعاً، داخل البيوت، وفي المؤسسات التعليمية، وفي الإعلام، وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.
لا يمكن أن نطالب جيلاً جديداً ببناء دولة القانون إذا كنا نعلّمه أن القانون يُطبّق على خصومنا ويُستثنى منه حلفاؤنا. ولا يمكن أن نطالبه بحب الوطن إذا كنا لا نذكر الوطن إلا عندما نحتاج إلى شعار نرفعه في وجه الآخرين.
لبنان لا يحتاج إلى أن يتخلّى أبناؤه عن طوائفهم أو معتقداتهم. يحتاج إلى أن يتخلّوا عن فكرة أن الطائفة أهم من الوطن، وأن الزعيم أهم من القانون، وأن انتصار جماعتنا أهم من مصلحة أبنائنا.
نحن لا نستطيع تغيير ما ورثناه من الماضي، لكننا نستطيع أن نقرّر ما إذا كنا سنورّثه كما هو، بكل ما يحمله من انقسامات وأحقاد، أم سنمتلك الشجاعة لوقف هذه السلسلة.
فالأوطان لا تُبنى فقط بالحدود والأعلام والنشيد الوطني. تُبنى عندما يشعر المواطن أن كرامته محمية، وأن حقه لا يتوقّف على اسم عائلته أو طائفته، وأن جيشه ودولته ومؤسساته تمثّله، وأن مستقبل أولاده لا يتحدّد وفق حسابات الزعماء.
أخطر ما يمكن أن نورّثه لأولادنا ليس وطناً متعثّراً، بل عقلية تجعلهم عاجزين عن تخيّل وطن مختلف.
وإذا كنّا نريد فعلاً أن نخرج من أزماتنا، فعلينا أن نبدأ من المكان الذي طالما تهرّبنا منه، من أنفسنا، ومن بيوتنا، ومن الطريقة التي نربّي بها أبناءنا على فهم الوطن والآخر والقانون.
لأن لبنان لن يصبح دولة حقيقية عندما تتّفق الطوائف على اقتسامها، بل عندما يتّفق المواطنون على أن هذا الوطن أكبر من طوائفهم جميعاً. السؤال ليس ماذا ورّثنا أولادنا من الماضي، بل ماذا سنفعل اليوم كي لا نورّثهم أخطاءنا نفسها غداً
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير