أطفال سوريا ليسوا إرهابيين… ومكافحة الإرهاب لا تبرّر قتل المدنيين
إن دماء الأطفال السوريين ليست أقل قيمة من دماء ضحايا الإرهاب في الأردن، والعدالة لا تتحقق بجريمة جديدة، وإنما بحماية الأبرياء ومحاسبة المسؤولين وفق القانون...
خاص بوابة بيروت
أعلن الجيش الأردني، مساء الاثنين 26 تشرين الأول/أكتوبر 2026، تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع في جنوب سوريا وصفها بأنها «أوكار لتنظيمات إرهابية»، في إطار الرد على الهجوم الإرهابي الذي استهدف كنيسة في محافظة الكرك الأردنية يوم الجمعة الماضي، وأسفر عن سقوط عدد من الضحايا الأبرياء.
إننا، إذ ندين بأشد العبارات الهجوم الإرهابي الذي وقع في الكرك، ونؤكد رفضنا المطلق للإرهاب بجميع أشكاله ومصادره، فإننا نرفض بالقدر نفسه أن تتحول مكافحة الإرهاب إلى ذريعة لسقوط مزيد من الضحايا المدنيين، ولا سيما الأطفال والنساء.
فالجريمة الإرهابية التي وقعت على الأراضي الأردنية، والتي أعلنت الأجهزة الأمنية الأردنية أن المتورطين فيها أردنيون، تثير تساؤلاً قانونياً وأخلاقياً جوهرياً: بأي حق تتحول جريمة ارتُكبت في الأردن، على أيدي أردنيين، إلى مبرر لتنفيذ ضربات عسكرية داخل الأراضي السورية، يدفع ثمنها أطفال ونساء ومدنيون لا صلة مثبتة لهم بتلك الجريمة؟ وأي إنجاز أمني أو عسكري يمكن الادعاء بتحقيقه عندما تكون النتيجة سقوط أبرياء خارج حدود الدولة التي شهدت الاعتداء الأصلي؟
إن مكافحة الإرهاب، مهما بلغت خطورة التهديدات التي تسعى إلى مواجهتها، لا تمنح الدول تفويضاً مفتوحاً باستخدام القوة العسكرية داخل أراضي دول أخرى، خارج الحالات التي يجيزها القانون الدولي. فالأصل هو احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، واللجوء إلى التعاون والتنسيق المباشر مع سلطاتها المختصة، أو إلى الآليات الدولية المشروعة، بما فيها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، عند وجود تهديدات إرهابية عابرة للحدود. وحتى في الحالات التي تدّعي فيها دولة أن الدولة المعنية عاجزة عن مواجهة تهديد ينطلق من أراضيها، فإن هذا الادعاء لا يشكّل، بحد ذاته، ترخيصاً قانونياً تلقائياً لتنفيذ عمليات عسكرية داخل حدودها.
وتزداد التساؤلات القانونية بشأن الغارات الأردنية في ضوء المواقف المعلنة للحكومة السورية واستعدادها للتعاون مع الدول في مكافحة الإرهاب، فضلاً عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش. فهذه المعطيات تجعل من الضروري توضيح الأسباب التي حالت دون معالجة أي معلومات استخباراتية أو تهديدات أمنية مزعومة عبر القنوات الرسمية والتنسيق المباشر مع دمشق، بدلاً من تنفيذ ضربات جوية داخل الأراضي السورية ترتب عليها، وفق التقارير المتداولة، سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال.
ولا يمكن لأي مبرر أمني أن يعفي الجهة المنفذة من التزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القواعد الواجبة التطبيق لحماية المدنيين، ومبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء العمليات العسكرية. كما أن سقوط ضحايا مدنيين يستوجب تحقيقاً جدياً ومستقلاً لتحديد مشروعية الهجمات ومدى الالتزام بهذه القواعد، وتحديد المسؤوليات القانونية عن أي انتهاكات تثبت وقوعها.
فالعدالة لا تتحقق بنقل العقاب من أرض الجريمة إلى أرض دولة أخرى، ولا تُقاس البطولات العسكرية بقوة الطائرات أو بعدد الضحايا، وإنما باحترام سيادة الدول وحماية الأبرياء وملاحقة المسؤولين الحقيقيين عن الإرهاب وتقديمهم إلى العدالة.
وحتى لو صحت الرواية الأردنية بشأن وجود ارتباط بين منفذي هجوم الكرك وتنظيمات مسلحة داخل الأراضي السورية، فإن ذلك لا يعفي الجهات التي نفذت الضربات من التزاماتها القانونية، ولا يبرر استهداف المدنيين أو تعريض حياتهم للخطر.
وكان الأجدر بالسلطات الأردنية معالجة أي تهديد أمني عابر للحدود عبر التنسيق الفعلي والمسبق مع السلطات السورية المختصة، والاستفادة من آليات التعاون الأمني والقضائي، بدلاً من اللجوء إلى عمل عسكري أسفر، وفق المعلومات المعلنة، عن مقتل مدنيين سوريين، بينهم أطفال.
إن حماية الأمن الوطني حق مشروع لكل دولة، لكنها لا يمكن أن تتحقق على حساب الحق في الحياة، ولا يجوز أن تتحول إلى ممارسة انتقامية يدفع ثمنها الأبرياء.
وعليه، فإننا نطالب الحكومة الأردنية بفتح تحقيق جاد ومستقل وشفاف في ملابسات هذه الغارات، والكشف عن الأساس القانوني والمعلومات التي استند إليها قرار تنفيذها، وتحديد المسؤوليات عن سقوط الضحايا المدنيين، وإحالة كل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب انتهاكات جنائية إلى القضاء المختص، وفق ضمانات المحاكمة العادلة، مع إنصاف أسر الضحايا وجبر الضرر الذي لحق بها.
إن دماء الأطفال السوريين ليست أقل قيمة من دماء ضحايا الإرهاب في الأردن، والعدالة لا تتحقق بجريمة جديدة، وإنما بحماية الأبرياء ومحاسبة المسؤولين وفق القانون.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير