سوليدير ليست الدولة… والاستثمار ليس امتيازًا على حساب بيروت واهلها

رداً على مقالة غسان حجار : في ملف "سوليدير"... لا "تطفّشوا" المستثمر ورأس المال "بيروت ليست ملكا لسوليدير، كما أنها ليست ملكا لمعارضي سوليدير. بيروت مدينة اللبنانيين جميعًا، ووسطها التجاري جزء من ذاكرتهم وحقهم ومستقبلهم"...

خاص بوابة بيروت

مع كامل الاحترام للزميل غسان حجار، فإن مقاربته لملف “سوليدير” تطرح إشكالية تستحق النقاش، ليس دفاعا عن حملات شعبوية أو استهدافا لمستثمر أو شركة، بل دفاعاً عن حق بيروت وأهلها والدولة اللبنانية. حقهم جميعا في إعادة النظر بمستقبل أحد أكثر الملفات العقارية والاقتصادية حساسية في تاريخ لبنان الحديث.

بداية، لا أحد يعارض الاستثمار، ولا أحد ينكر أهمية رأس المال في تحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل. لكن الاستثمار ليس قيمة مطلقة تعلو على المصلحة العامة، ولا يجوز أن يتحول الخوف من مغادرة المستثمرين إلى مبرر للتنازل عن حقوق الدولة، أو القبول بشروط لا تخدم المدينة وسكانها.

إن وضع المسألة في إطار “إما التمديد لسوليدير وإما تطفيش رأس المال” هو اختزال مخل حول قضية وطنية وعمرانية واقتصادية معقدة. فالدولة ليست مطالبة بالاختيار بين حماية المستثمرين وحماية حقوقها، بل بإيجاد صيغة تضمن الأمرين معاً، وفق القانون والشفافية والمصلحة العامة.

أولا: لا أحد ينكر ما تحقق، لكن الإنجاز لا يمنح امتيازا أبديا.

قد تكون “سوليدير” أنجزت مشاريع عمرانية وتجارية وساهمت في إعادة إعمار أجزاء واسعة من وسط بيروت، لكن ذلك لا يلغي ضرورة تقييم تجربتها بكل موضوعية، بما لها وما عليها، ولا يحوّل مهمتها إلى تفويض مفتوح أو حق دائم في إدارة وسط العاصمة.

فالمشاريع التي أُنجزت لا يمكن أن تكون بديلا عن المساءلة حول ما لم يُنجز، ولا عن البحث في حقوق المالكين السابقين والمساهمين، ولا عن تقييم الكلفة الاجتماعية والعمرانية التي تحملتها بيروت نتيجة الخيارات التي رافقت مرحلة إعادة الإعمار.

ثانيا: المستثمر ليس فوق الدولة، والدولة ليست خصما للاستثمار.

من الطبيعي أن يسعى المستثمر إلى تحقيق الربح، وليس مطلوبا منه أن يصبح مؤسسة خيرية. لكن في المقابل، ليس مطلوبا من الدولة أن تكون جمعية لحماية أرباح المستثمرين، أو أن تتعامل مع مصالحهم، باعتبارها أولوية تتقدم على حقوق المواطنين والمصلحة العامة.

الاستثمار الناجح يقوم على شراكة متوازنة، تحمي رأس المال، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق المجتمع والدولة. أما عندما تصبح المطالبة بمراجعة عقد أو إعادة تنظيم امتياز أو فرض التزامات إضافية على المستثمر، سبباً للتهديد بالانسحاب ونقل الأموال إلى الخارج، فهنا نكون أمام خلل في مفهوم العلاقة بين القطاع الخاص والدولة.

ثالثا: وسط بيروت ليس مساحة تجارية فحسب، ولا مجموعة أبنية وعقارات معروضة للبيع والشراء. إنه قلب العاصمة وذاكرتها وهويتها وفضاؤها العام، وهو ملك معنوي ووطني يتجاوز حدود المساهمين والمستثمرين.

ومن حق اللبنانيين أن يسألوا: لماذا لا تزال بعض المشاريع والمرافق العامة والواجهات البحرية والمساحات المفتوحة وساحة الشهداء والمواقع التراثية والثقافية تنتظر استكمال المعالجة؟ ومن المسؤول عن التأخير؟ وما هي الضمانات التي تتيح للدولة استعادة دورها الكامل في التخطيط والإشراف والرقابة؟

هذه ليست مطالب تعجيزية، ولا محاولات لإحراج الشركة وإخراجها، بل أسئلة مشروعة تفرضها طبيعة الملف وحجمه وأهميته الوطنية.

رابعا: حماية صغار المساهمين لا تعني حماية الشركة من المساءلة.

إن الحديث عن مصير صغار المساهمين مشروع وضروري، لكن لا يجوز استخدامهم درعا في مواجهة أي مطالبة بمراجعة أداء الشركة أو شروط استمرارها، فحقوق هؤلاء تستوجب ضمانات قانونية ومالية واضحة، ولا تتحقق بمجرد تمديد الإدارة الحالية.

والأجدى أن تضع الدولة تصورا متكاملاً يحمي حقوق جميع الأطراف، ويمنع تحميل صغار المساهمين نتائج أي تسويات أو قرارات مستقبلية.

خامسا: لا يجوز اختزال الاعتراض الشعبي في الشعبوية.

ليس من الموضوعية وصف الشارع بأنه متفلت من المنطق والعقل والأخلاق لمجرد أنه يعترض أو يطالب بمراجعة ملف بهذا الحجم. فالاعتراض حق، وطرح الأسئلة حق، ومساءلة الشركات التي تتولى إدارة مشاريع ذات طابع عام حق أيضاً. والمطلوب ليس إسكات الأصوات المعترضة، بل تقديم إجابات مقنعة وشفافة للرأي العام.

فلا يجوز اعتبار مجرد إثارة الأسئلة المتعلقة بالشفافية والملكية والمصالح أمراً غير مشروع.

المطلوب اولا واخيرا أن تكون الدولة اللبنانية صاحبة القرار، وأن تتعامل مع الملف من موقع المسؤولية والسيادة، لا من موقع الخوف من مغادرة المستثمرين.

إذا كان لدى الشركة مشروع واضح لاستكمال ما تبقى من التزاماتها، فلتقدمه. وإذا كانت الدولة ترى أن استمرارها يحقق المصلحة العامة، فلتبرهن ذلك بعقد واضح، ومهل زمنية محددة، وآليات رقابة ومحاسبة، وضمانات تنفيذية لا تترك الأمور رهينة الوعود.

إن لبنان لا يحتاج إلى طمأنة المستثمرين على حساب حقوقه، بل إلى دولة قادرة على توفير بيئة استثمارية عادلة ومستقرة، لا تمنح امتيازات بلا حدود، ولا تتراجع أمام الضغوط، ولا تتعامل مع كل مراجعة أو مساءلة باعتبارها تهديداً للاقتصاد.

بيروت ليست ملكا لسوليدير، كما أنها ليست ملكا لمعارضي سوليدير. بيروت مدينة اللبنانيين جميعاً، ووسطها التجاري جزء من ذاكرتهم وحقهم ومستقبلهم.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك