خاص بوابة بيروت
صحيح أنّ الانتخابات في أميركا، لكنّ تداعياتها هي في الشّرق. صحيح أيضًا أنّ هذه الإننتخابات سيكون لها تداعيات على تفاصيل حياة الأميركيّين، إن من حيث السياسة الضريبيّة، أو سياسة الضمانات الإجتماعيّة والهجرة وغيرها من القضايا الإنسانيّة ذات التأثير المباشر في داخل الولايات المتّحدة الأميركيّة؛ لكن الأخطر والأهم هي تداعياتها الخارجيّة.
ممّا لا شكّ فيه أنّ تداعيات هذه الإنتخابات ستكون أكبر من نتائجها. فلا يمكن أن تتأثّر السياسة الخارجيّة بنتائج هذه الإنتخابات. يبدو أنّ الرئيس ترامب سيستكمل مساره الخارجي. حتّى لو تبدّلت الأكثريّة داخل أحد المجلسين، وكما يرجّح مجلس النّوّاب، وليس الشيوخ، فمسار السياسة الخارجيّة مستمرّ. فلا يبدو أنّ الإيراني سيقبل بشروط الرئيس الجمهوريّ لصفقة ما على غرار ما قام الدّيمقراطي بذلك.
لذلك، علينا كلبنانيّين الاستفادة من هذا المومنتوم التغييري في منطقة الشرق الأوسط. هذا المومنتوم الذي قطع أكثر من نصف الشوط المقرّر له، ولا سيّما أنّ الإنتخابات الإسرائيليّة، على الأقلّ في هذه المرحلة، قد عادت ومتّنت المسار الذي فرضه رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتانياهو، ممّا جعل الشرف في حالة انتحاب نتيجة الإنتخاب.
لم يعد بناء الدولة في الشرق الأوسط مسألة سياسية أو إدارية فحسب، بل بات شرطًا أساسيًا لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار المستدام. وفي هذا السياق، لم يعد ميزان القوى يُختزل في الردع وموازين القوى العسكرية، بل أصبح يُقاس بقدرة المجتمعات والاقتصادات على التعافي والإنتاج والاستثمار والتجارة وخلق فرص العمل.
وهذا ما يجعل إعادة الإعمار أبعد من مجرد ترميم ما دمرته الحروب، إذ تستوجب تعافيًا مؤسسيًا يعيد بناء الدولة على أسس متينة، من خلال استعادة القدرات الاقتصادية والإنتاجية، وإنشاء مؤسسات فعالة وخاضعة للمساءلة، وتعزيز الترابط الإقليمي والتكامل الاقتصادي.
فالدولة القادرة على الصمود، بمؤسساتها ومجتمعها واقتصادها، هي الضمانة الحقيقية لمنع تجدد الصراعات، وتحويل السلام من مجرد وقف لإطلاق النار إلى مسار مستدام من البناء والازدهار. وهذا ما لم تستطع الدّولة اللبنانية الحاليّة تحقيقه حتّ اللحظة. وها بدوره يوحي بأنّ هذه الدّولة غير قادرة على الاستقرار على الاستمرار. وبما أنّ مفاتيح المحاسبة تمّ تعطيلها، هذا يؤكّد أحقّيّة المجتمع الدّولي على إسقاط هذه الدّولة بشكلها الحالي الذي أدّى إلى دمارنا.
ولعلّ هذا ما يفرض علينا كلبنانيين مجتمعين البحث في شكل الدّولة الجديدة التي تتماشى مع تطلّعات المرحلة القادمة. والأكثر، بات لزامًا علينا جميعًا تسمية الأمور بأسمائها. هذه الصيغة فاشلة، وهذا النّظام ساقط أبريوريًّا. ولن يتمكّن لبنان من الاستمرار في زمن سقطت فيه ضمانات الاستمرار بغضّ النّظر عن الاستقرار الهشّ الذي عاشه في تاريخه المعاصر.
وحّتى نوقف النّحيب، وعدّاد الموت، ونزف الهجرة، لا بدّ لنا من بناء دولة نشبهها، لا أن نجبر ذواتنا الكيانيّة على العيش في دولة لا تشبهها. وعندما نتحدّث عن الذوات الكيانيّة فهذا اعتراف منّا بأحقّيّة اختلافنا، وضرورة عدم خلافنا. وهذا ما يحتّم علينا ترجمة هذه الحقيقة الكيانيّة في نظام لا يتقلّب على تداعيات الإنتخابات الأميركيّة، ولا التّحالفات الإقليميّة. تمامًا كما حدث في مرحلة حلف بغداد، أو مكافأة أميركا لسوريا بعد تغطيتها الدّخول الأميركي إلى الكويت في تسعينيّات القرن الماضي.
زمن النّحيب ولّى. والتطلّع اليوم إلى زمن الحقيقة. تلك الحقيقة التي تقوم على هذا التنوّع الذي نعيشه معًا باختلافنا. من دون التأثّر بتداعيات الإنتخابات الأميركيّة تارة أو التحالفات الإقليميّة تارة أخرى. إن لم ننتقل إلى الصيغة الإتّحاديّة – الحياديّة فلن يكون للبنان الـ10452كم2 أيّ وجود في المستقبل. وعندها سنعود حتمًا إلى زمن إحياء القوميّات والعصبيّات على قاعدة الهويّت الدينيّة الفردانيّة. وهذا ما لا نريده، لأنّنا نسعى إلى الحفاظ على لبنان الـ10452 كم2، ولكن بشكل سياسي جديد، وبصيغة تحاكي تطلّعاتنا إلى المستقبل القريب والبعيد. فهل سنكون حتمًا على قدر تطلّعات هذا المستقبل إلى منطقتنا بشكل عام، وإلى وطننا لبنان بشكل أخصّ؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير