انتخابات أميركا بين استحقاق الداخل واحتمالات الحرب العالمية الثالثة

يتزامن هذا الاستحقاق مع تصعيد عسكري وسياسي في المواجهة الأميركية الإيرانية، بعد استهداف منشأة إيرانية، وإعلان طهران أن واشنطن رفضت شروطها السبعة...

خاص بوابة بيروت

تميل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة إلى معاقبة الحزب الذي يسيطر على البيت الأبيض. فمنذ الحرب العالمية الثانية، خسر الحزب الرئاسي مقاعد في الكونغرس في معظم هذه الانتخابات. لكن قراءة الاستحقاق الحالي باعتباره مجرد استفتاء على الرئيس دونالد ترامب تبقى ناقصة. فهل يستطيع الحزب الجمهوري تجاوز قدرة الحزب الديمقراطي على معاقبته انتخابيًا؟ وهل ينجح ترامب في استكمال ما رسمه لعهده خلال السنتين المتبقيتين من ولايته؟

لا شك في أن عوامل كثيرة تتداخل في هذه الانتخابات، وفي مقدمتها الشأن الاقتصادي، الذي يتصدر اهتمامات الناخب الأميركي، ولا سيما بعدما تأثرت أنماط معيشته نتيجة تداعيات السياسات الخارجية لترامب. فالحرب على إيران تركت انعكاسات على الداخل الأميركي، نجح الحزب الديمقراطي في توظيفها ضد غريمه الجمهوري، من خلال تحويل الأصوات الاعتراضية إلى أصوات انتخابية، وربط كلفة المواجهة العسكرية بالأعباء اليومية التي يتحملها المواطن الأميركي.

وتشير المؤشرات السياسية إلى تقدم الديمقراطيين، وخصوصًا في مجلس النواب. لكن الاختبار الأهم لا يقتصر على هوية الحزب الفائز، بل يتصل بما إذا كان ترامب سيخرج من الانتخابات بكونغرس قادر على تمرير أجندته، أم بكونغرس معارض يفرض عليه تسويات سياسية ويحدّ من هامش حركته.

من الحصار الاقتصادي إلى جبل بيك إكس: هل تقترب المواجهة النووية؟

يتزامن هذا الاستحقاق مع تصعيد عسكري وسياسي في المواجهة الأميركية الإيرانية، بعد استهداف منشأة إيرانية، وإعلان طهران أن واشنطن رفضت شروطها السبعة. وفي هذا السياق، عاد الحديث عن السابع من تشرين الثاني/نوفمبر، الذي أثير في الأوساط الإعلامية بوصفه موعدًا محتملًا لاتخاذ قرار أميركي حاسم. وتزداد خطورة هذا الاحتمال في ظل الضغوط التي يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وبحسب ما أورده الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون في منشور على منصة «إكس»، فإن إدارة ترامب قد تكون على بُعد أيام من شن ضربة نووية على إيران، تحت ضغط إسرائيلي. وحدّد كارلسون جبل بيك إكس، في وسط إيران، هدفًا محتملًا، مدعيًا أن الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أن طهران أعادت تشغيل برنامجها لتخصيب اليورانيوم في الموقع.

ويذهب كارلسون إلى أن الأسلحة التقليدية الأميركية لا تستطيع اختراق نحو 300 قدم من الغرانيت الصلب لتدمير الأنفاق التي يُفترض أن عمليات التخصيب تجري فيها، وأن الخيار العسكري الوحيد المتاح هو الضربة النووية. غير أن هذه الادعاءات، بما فيها الحديث عن قرار نووي وشيك، لم تحظَ بتأكيد مستقل، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها معلومات مثبتة عن خطط عسكرية أميركية.

ويكتسب هذا التحذير أهمية إضافية في ضوء المسار التفاوضي الذي يسعى إليه نائب الرئيس جي دي فانس والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، عبر الوساطة القطرية. ففي مقابل هذا المسار، تبرز مقاربة وزير الخارجية ماركو روبيو، التي تفضّل استمرار الضغط الاقتصادي والحصار على العودة إلى حرب واسعة. أما ترامب، فيبدو مترددًا بين إتاحة فرصة جديدة للتفاوض وبين الاعتقاد بأن المماطلة الإيرانية تهدف إلى استنزاف الولايات المتحدة وتجريدها من عناصر قوتها العسكرية.

وفي المقابل، يظهر نتنياهو، وفق قراءة كارلسون، بوصفه الطرف الأكثر ضغطًا لتغيير المعادلات الإقليمية، عبر دفع ترامب إلى تنفيذ ضربة تستهدف البنية العسكرية والنووية الإيرانية. ويذهب كارلسون أبعد من ذلك، محذرًا من أن استخدام السلاح النووي قد يفتح الباب أمام احتمالات روسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا وفق الشروط الروسية، ويشجع قوى نووية أخرى على إعادة النظر في قواعد الردع القائمة.

تاكر كارلسون والتحذير من حرب عالمية ثالثة

تتجاوز تغريدة كارلسون التحذير من ضربة عسكرية محتملة، لتطرح سيناريو انهيار منظومة الردع النووي. فالإعلامي والمعلّق السياسي الأميركي المحافظ، الذي برز عبر برنامجه على شبكة «فوكس نيوز» قبل مغادرتها عام 2023، يُعد من الأصوات المؤثرة في التيار اليميني الأميركي، وإن كان قد أصبح في السنوات الأخيرة أكثر انتقادًا لترامب وللسياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما الدعم غير المشروط لإسرائيل.

وفي منشوره، يحذّر كارلسون من أن الضربة النووية الأولى ستجعل اندلاع حرب عالمية ثالثة أمرًا حتميًا. ويربط هذا الاحتمال بإمكانية أن تستغل روسيا أي سابقة نووية أميركية لتوسيع خياراتها في أوكرانيا، وأن تنجرف باكستان والهند إلى مواجهة نووية متبادلة، فيما قد تقدم كوريا الشمالية على استهداف سيول.

غير أن الانتقال من احتمال ضربة نووية إلى الجزم بحتمية حرب عالمية ثالثة يبقى استنتاجًا سياسيًا لا حقيقة استراتيجية محسومة. فالتاريخ النووي، منذ هيروشيما وناغازاكي عام 1945، يبيّن أن استخدام السلاح النووي يغيّر قواعد الصراع جذريًا، لكنه لا يجعل جميع ردود الفعل اللاحقة قابلة للتنبؤ. كما أن التسريبات الإعلامية لا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار أميركي باستخدام هذا السلاح.

ومع ذلك، فإن خطورة هذا السيناريو تكمن في أن أي استخدام نووي، ولو محدودًا، قد يضعف المحظور الدولي الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ويقوّض معادلات الردع التي حالت دون مواجهة مباشرة بين القوى النووية. ومن هنا، تكتسب التحذيرات الأوروبية من الاستعداد لأزمات تموينية محتملة أهمية إضافية، وإن كانت لا تشكل بحد ذاتها دليلًا على اقتراب حرب عالمية.

لبنان في قلب التحولات: الدولة والمساعدات والعقوبات

أما بالنسبة إلى لبنان والشرق الأوسط، فإن استعادة الديمقراطيين لمجلس النواب أو مجلس الشيوخ لا تعني تلقائيًا تغيير السياسة الخارجية الأميركية. لكنها قد ترفع مستوى الرقابة على الإدارة، وتزيد الضغوط السياسية المرتبطة بالإنفاق العسكري والمساعدات الخارجية والاتفاقات الدولية.

وفي لبنان تحديدًا، يتزامن هذا المشهد مع حديث متزايد عن عدم رضا أميركي عن أداء الحكومة اللبنانية ودور الجيش، ما يفتح الباب أمام احتمالات تشديد الضغوط، وفرض عقوبات جديدة على شخصيات مرتبطة بالمعسكر الإيراني، وربما على أطراف تقع في المنطقة الرمادية أيضًا، فضلًا عن احتمال إعادة النظر في المساعدات العسكرية.

لكن من الخطأ افتراض أن هذه الإجراءات ستُترجم تلقائيًا إلى قرار أميركي موحّد أو إلى تغيير جذري في السياسة اللبنانية. فالعقوبات والمساعدات والضغوط الدبلوماسية أدوات متباينة، تخضع لحسابات داخلية أميركية ولتوازنات إقليمية متحركة.

في المحصلة، يبدو أن ترامب يحكم الولايات المتحدة من الخارج إلى الداخل، لا العكس، في مقاربته لإدارة العالم. وهذا، باعتقادي، ما قد يجعل المسار الأميركي سالكًا ومستمرًا، بغض النظر عن نتائج الانتخابات التي قد نستفيق عليها بصورة مفاجئة. فالمعادلات الكبرى قد لا تتأثر بسهولة بتبدل الأكثرية في الكونغرس، إذا كان القرار الاستراتيجي قد اتُّخذ على أعلى المستويات لتغيير العالم، بدءًا من بوابة الشرق الأوسط. ويبقى السؤال: هل نحن أمام إعادة رسم لموازين القوى الدولية، أم أمام تصعيد تفاوضي بالغ الخطورة قد ينتهي بتسوية جديدة؟ ومن يعش… يرَ.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك