قراءة في كتاب “ألف كلمه” للخوري الأب جورج كامل، كمدخل الى اللغة اللبنانيّة
بقلم د. جوزيف طانوس الحاج – خاص بوابة بيروت
حين حدّد أبو التاريخ”هيرودوت”، في القرن الخامس قبل الميلاد، الهُويّة اليونانيّة، كانت اللّغة ركيزة من عناصرها الأربعة… وحين أكّدت الأمم المتحدة بشُرعتها على أحقّيّة العيش بكرامة لكل إنسان، كانت اللّغة واحدة من المقدّسات.
ما فعله الأب جورج كامل، في كتابه “ألف كلمه” باللبناني، ينطلق من هاتين المعادلتين. فللهُويّة اللبنانيّة لغتها، وللكرامة اللبنانيّة حقّ علينا في الحفاظ على هذه اللّغة، كأنّه أنّى نسأل في أصقاع الأرض، نجدْ : “أنْ لا شعبَ بدون لغة، ولا هُويّةَ بدون لغة…”.
قد يتساءل البعض، كيف السبيل الى إنعاش لغتنا في الوطن كما في المهجر؟ واللغات العالميّة كجيش جرّار يحاصر صُورَ الجزيرة.
الجواب في رحلة الألف ميل، التي بدأت في كتاب الأب كامل، من خلال ألف كلمة، هي الأكثر تداولًا في حياتنا اليوميّة.
لقد أبصر النور هذا الكتاب بعد سلسلة من الجهود الدؤوبة جمعت الأب كامل الى كوكبة من الباحثين، تتوّجت باعتماد معايير عديدة، منها الالتزام بقواعد الكتابة لأيّ لغة عالميّة، بحيث لم تدخل الأرقام الى جانب الحروف لتشوّهَها، كما حافظ كلّ حرف ملفوظ على مكانته، ووجهة استعماله بشكل موّحد.
فلا تشابك ولا استثناءات، وهذا ما يسهّل القراءة والكتابة والحفظ. كما أضيف الكيبورد اللبناني الذي يتلاءم مع الحاسوب والهاتف المحمول وسائر التكنولوجيّات.
بالنسبة لنا، نحن المقيمين في لبنان، وبعد المقدّمة والشرح والتعليل والتحليل وبعض التأريخ، يمكننا أن نتصفّح هذه الألفيّة بيسير من الوقت، ولكنْ، هل يبقى الأمر عينه للمتحدّر من أصل لبناني، والذي فرغت ذاكرته من الجبل الملهم؟ بالطبع لا.
لذلك أتت هذه المحاولة لوصل ما انقطع، ولبناء ما تهدّم، وللقاء حميم حتى بين جدران الغربة.
أخي اللبناني، أن تكتبَ باللّغة اللبنانيّة، هو صدق الأحاسيس، وتوهّج الفكرة، لأنّ في لغتنا اختزال لقاموس مشبع بحضارات وتواريخ ولغات، وفيها أيضًا طواعيّة مدهشة قلّما عرفَتها لغات شقيقة أو صديقة.
أن تكتبَ باللّغة اللبنانيّة هو أيضًا فعل تعبير عفويّ لكثير من المفردات، لقّنَتها الأمهات لصغارهنّ، ببساطة وحِرفيّة، فانغرست في العقول الناشئة كالصلاة الأولى والبسمة الأولى.
أن تكتبَ باللّغة اللبنانيّة، هو أيضًا وأيضًا عبور من الغربة الى الوطن، ومن المجتمع المتشتّت الى الدفء العائلي، ومن انكسار الحنين الى زهو اللقاء – الصدفة، دون سابق مواعيد وحتى دون تعارف.
أيّها اللبنانيّون المنتشرون، يا من تتقنون الكثير من اللغات العالميّة، وتبدعون في مجالاتها العلميّة والأدبيّة والإنسانيّة، لن تفرض اللّغة اللبنانيّة عليكم أيّ إنكار للّغات الرديفة، فهي لن تحلّ في جامعاتكم ومؤسّساتكم كتجربة الإسبرنتو (Esperanto) اليتيمة. لكنّها، سوف ترافقكم في لقاءاتكم الحميمة، مع العائلة والأتراب، والتائهين في ديار الله.
في أفراحكم وأحزانكم، كذلك في نقلة الولد الأولى، وجملته المبعثرة الأولى، وصولًا الى تنهّدة الأم المنتظرة على كعب السنديانة، أمام بيتها الراقد في أغنيات فيروز وصباح ووديع.
أيّها اللبنانيّون المنتشرون، والمقيمون، كثيرًا ما نجد في الشّعر المرستَق باللّغة اللبنانيّة، وجماليّة السهل الممتنع في الرحبانيّات، مسرحًا وغناء، ما يتربّع على عرش الإبداع، ويزاحم الروائع العالميّة. فحرام أن ندعَ هذه اللغة تبرد خارج الدار وخارج القلوب، وأن تتشرّدَ على طرقاتٍ طالما تطرّزت بهمسات العشق وأغاني العابرين.
أيّها اللبنانيّون، جميع اللبنانيّين، لقد تلوّن تاريخكم بعذابات وإخفاقات مشابهة، كما زخرت ذاكرتكم بأمجاد مشتركة. لتكن إذنْ لغتكم هي الصوت الموحِّد بينكم… لتكن النفس العابر بين القلوب… لتكن العنصر الأساس بين عناصر “هيرودوت” لجمعنا، ولتكن كرامتنا الجامعة من خلال لغة جامعة تحيا فينا، ونحيا من خلالها.
علّموا أولادكم اللّغة الأم – اللّغة الوطن. وابدأوا من “ألف كلمة”، كافية لنفهمَ ونتفهّمَ ونتفاهم… عسى أن ننشدَ معًا – ذات يوم – “بحبّك يا لبنان”.
شكرا للأب جورج كامل، ولكل من آزره في هذا المسعى، وكلّنا بانتظار الألف الثاني
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير