الجمهوريّة الثالثة… تبدأ من الجنوب ولا تنتهي عنده

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

بدأ التنفيذ العملاني بانتشار الجيش في المناطق التجريبية بدءًا بزوطر الشرقيّة، فضلًا عن إرسال المزيد من القوّات العسكريّة اللبنانية لتعزيز وجود الشرعيّة في بلدات جنوب الليطاني، تمهيدًا لطرد كلّ ما هو غير شرعي. فيما بدا جليًّا إعادة تحريك ما كان يعرف بالمرحلة السابقة ب ” جيش الأهالي” الذيبن أعلنوا رفضهم إدراج بلداتهم ضمن مسمّى ” المناطق التجريبيّة” لأنّ÷ا بنظرهم لا تعكس مبدأ الانسحاب الإسرائيلي عملًا بما نصّ عليه اتّفاق الإطار.

المناطق التجريبية… بين اعتراض الأهالي ومسؤولية من أوصل الدولة إلى هذا المأزق

ولبنان الشرعيّة يتمسّك بمطالبه الأساسيّة المتمثّلة بوقف الاعتداءات، والانسحاب الإسرائيلي الكامل، وعودة الأهالي، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، برغم توقيع الاتفاق الإطاري. فيما تبدو مسألة الجدولة الإشكاليّة التي لا تزال عالقة حتّى الساعة.

ولعلّ هذه من أبرز نقاط الضعف في الاتّفاق الإطاري بالنسبة إلى الدّولة اللبنانيّة، التي بسبب تصرّفات المنظّمة المسلّحة، وصلت إلى عدم قدرتها على فرض شروطها نظرًا لما جرّتها إليه المنظّمة في الميدان الذي تفوّقت فيه إسرائيل.

بينما تجلّت اللبنانيّة بأبهى حللها نتيجة دعم رؤساء البلديّات الذين احتضنوا الجيش اللبناني وأعلنوا تعاونهم المطلق معه في حفظ الأمن والاستقرار، مع تأكيدهم على عدم المسّ بحقوق مواطنيهم. وفي هذا الموقف يقرأ تعطّش الأهالي في هذه القرى إلى القوّأت الشرعيّة حصرًا، بعد أربعة عقود من مبايعة منظّمة حزب الله التي أوهمتهم بأنّها قادرة على حماتيتهم. ليتبيّن عكس ذلك تمامًا عند الاستحقاق الجدّي للاعتداء على أمنهم واستقرارهم.

أمّا مسألة تفتيش الأملاك الخاصّة التي إن وجب خضوعها بحسب القوانين المرعيّة الإجراء لموافقة أصحابها أو بقرار قضائي، وبوجود الجيش حصرًا فهذه مسألة أسقطتها منظومة حزب الله الفكريّة باستعمال المدنيين دروعًا بشريّة، وبحفر الأنفاق تحت منازلهم ومن دون علمهم أحيانًا. فالجيش اللبناني وحده في هذه الحالة هو ضمانة المواطنين للحفاظ على ما تبقّآ من أملاك قبل أن تكمل إسرائيل هدمها.

بين التقيّة السياسية والحرب الإعلامية على مشروع الدولة

يبقى أنّ بعض الفعاليّات الجنوبيّة رأت في أن تضمّ المناطق التجريبية بلدات غير محتلّة إطالة بعمر وجود الاحتلال؛ فيما الحقيقة تكمن مَن هو وراء ذلك كلّه؟ ومن تسبب بذلك كلّه؟ من أضعف الدّولة اللبنانيّة وجعلها بموقع المتلقي وغير القادرة على فرض شروطها في التفاوض؟ الإجابة عن هذه الأسئلة كفيلة بوضع منظّمة حزب الله في مضبطة الإتّهام.

وهذا ما يوضح استمرار رفضها للمفاوضات المباشرة، وعدم اعترافها بالمناطق التجريبيّة وآليّة تطبيقها. ولعلّ هذا ما يشي بتحضيرها لعمل ما ميدانيًّا لإسقاط هذا المومنتوم الذي وصلت إليه الشرعيّة اللبنانيّة، وبقواها الدّستوريّة فقط. وقد يشكّل هكذا عمل خطرًا جسيمًا على زيارة فخامة رئيس الجمهوريّة إلى واشنطن في الـ21 من الجاري. حتّى لو أكّدت المنظّمة على استمرار تنسيقها مع الجيش اللبناني جنوب الليطاني. فهذه قمّة التقيّة الديبلوماسيّة !

أمّا التسويق الإعلامي لفشل هذه الخطّة فما هو إلّا تمهيد سياسي ناعم لإسقاطها. وما يؤكّد صحّة ذلك هو عدم امتلاك أي حلول بديلة. وهذا ما فتئ يطرحه فخامة الرّئيس في أحاديثه كلّها. فالعجب برفض ما حقّقته الديبلوماسيّة، والتباهي بما عجزت عن تحقيقه آلة الحرب العسكريّة للمنظّمة، ولا بل الأكثر من ذلك كلّه قوافل الذين سقطوا من القرى بمراسم جماعيّة تشهد على فداحة الجريمة المرتكبة بطريقة مزدوجة من المسبِّب ومن المرتكب. فضلًا عن منع النّاس من البكاء بحجّة أنّ الذين سقطوا هم سعداء !

واشنطن ترى في لبنان “النصر التالي”

فيما تنظر واشنطن إلى بيروت على أنّها بوّابة النّصر التالي بعد النصر العسكري الذي تحقّقه في الضربات الأميركيّة القاصمة لظهر إيران. فلبنان بالنّسبة إلى واشنطن هو الترجمة العمليّة للتحوّل العسكري في المنطقة، وهذا ما يجب ترجمته إلى إنجاز سياسي واستراتيجي دائم. وهذا ما يثبّت رؤيتنا في الجمهوريّة الثالثة التي ستكون منطلقًا لبناء لبنان الجديد، ولتحديد دوره من جديد في منطقة الشرق الأوسط الجديد.

فجوهر الخطّة الأميركيّة في لبنان يكمن في إعادة بناء الدّولة اللبنانيّة على أسس سياديّة تبدأ بإسقاط نفوذ إيران ومنظّمتها في لبنان التي لا تزال حتّى الساعة تشكّل العقبة أمام قيام الجمهوريّة الثالثة. ورهان الأميركي برغم كلّ شيء يبقى على مؤسسة الجيش اللبناني التي يعتبرها الضامن السياسي والعسكري والاستخباري من خلال تدعيم هذه الأسس ليصبح هو أداة استعادة السيادة.

الجمهوريّة الثالثة… السلام بوصفه مشروع دولة

فالسلام المرتقب في الجمهوريّة الثالثة، صحيح أنّ منطلقَه داخليٌّ أوّلًا، لكن لا يمكن إلّأ أن يتماهى مع التغيير الجيو استراتيجي في المنطقة بهدف الوصول إلى ميناء السلام الحقيقي.

وذلك لا يكون إلا من خلال مسألتين: ترسيم الحدود، ونزع السلاح، باعتبارهما مسارًا متكاملاً يقود إلى تسوية دائمة.

ولعلّ هذا ما سيمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوّل اختراق ديبلوماسي بما يعيد رسم توازنات الشرق الأوسط، ويكسبه ورقة رابحة على أعتاب انتخاباته النّصفيّة. كذلك شريكه في المنطقة أي نتانياهو سيتمكّن من توظيف ذلك في انتخاباته هو الأخير.

فهل يستطيع لبنان أن يستفيد من الربح المتبادل الذي يسعى لتحقيقه الشريكان من حسابه ليحوّل هذا الرّبح إلى حسابه في الجمهوريّة الثالثة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك