كلنا مذنبون… متى سنُدرك أن مصيرنا واحد
خاص بوابة بيروت
يقف لبنان اليوم على مفترق تاريخي خطير، تتقاطع فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بصورة غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الأهلية. فالدولة التي كانت يوماً نموذجاً للتعدّدية والانفتاح في الشرق الأوسط، باتت تعاني من انقسام اجتماعي يهدد أسس العقد الوطني الذي قام عليه الكيان اللبناني، وانهيار مؤسساتي عميق، وتراجع اقتصادي حاد، .
وفي خضم هذا المشهد القاتم، يكثر تبادل الاتهامات وتحديد المسؤوليات، إلا أن الحقيقة المؤلمة تكمن في أن الأزمة اللبنانية ليست نتاج طرف واحد أو فئة بعينها، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات التي شارك فيها الجميع بدرجات متفاوتة. ولذلك فإن الاعتراف بهذه الحقيقة يمثل الخطوة الأولى نحو أي مشروع إنقاذ وطني جاد.
الطائفية السياسية، أصل الداء
منذ نشأة الدولة اللبنانية الحديثة، قامت الحياة السياسية على معادلة دقيقة لتقاسم السلطة بين الطوائف والمكونات الدينية المختلفة. وقد صُمم هذا النظام في الأصل للحفاظ على الاستقرار ومنع هيمنة أي فئة على أخرى، إلا أنه تحوّل مع مرور الزمن إلى أداة لترسيخ الانقسامات بدلاً من تجاوزها.
فأصبحت الطائفة، بالنسبة لكثير من اللبنانيين، المرجعية السياسية والاجتماعية الأساسية، فيما تراجعت الهوية الوطنية الجامعة إلى المرتبة الثانية. ومع تعمّق هذا الواقع، نشأت شبكات واسعة من الزبائنية السياسية والمحسوبيات، حيث ارتبطت الخدمات والوظائف والفرص الاقتصادية بالولاء الطائفي أكثر مما ارتبطت بمفهوم المواطنة أو الكفاءة.
لقد نجحت النخب السياسية في استثمار المخاوف المتبادلة بين الطوائف للحفاظ على مواقعها ونفوذها، فبات اللبنانيون أسرى خطاب دائم يقوم على حماية الحقوق الطائفية بدل بناء دولة الحقوق والمؤسسات. وهكذا تحوّلت الطائفية من آلية لتنظيم التنوّع إلى أحد أبرز أسباب هشاشة الدولة وعجزها عن اتخاذ قرارات وطنية جامعة.
الدولة الغائبة والحكومة العاجزة
في المقابل، أظهرت الحكومات المتعاقبة عجزاً واضحاً عن معالجة الأزمات البنيوية التي تواجه البلاد. فبدلاً من أن تكون الدولة إطاراً يوحّد اللبنانيين حول مشروع وطني مشترك، تحوّلت مؤسساتها في كثير من الأحيان إلى ساحات لتقاسم النفوذ والمصالح.
لقد شهد اللبنانيون انهياراً مالياً غير مسبوق، وتراجعاً في الخدمات الأساسية، وتفككاً تدريجياً لمؤسسات الدولة. الكهرباء أصبحت أزمة مزمنة، والمياه النظيفة لم تعد متاحة للجميع، والقطاع الصحي يواجه تحديات وجودية، فيما فقدت العملة الوطنية معظم قيمتها، وانزلقت شرائح واسعة من المجتمع إلى دائرة الفقر والعوز.
ولعل انفجار مرفأ بيروت شكّل المثال الأكثر مأساوية على حجم الإهمال المؤسسي الذي أصاب الدولة. فقد تحوّلت الكارثة إلى رمز لفشل الإدارة العامة، وغياب المساءلة، وعجز النظام السياسي عن محاسبة المسؤولين، الأمر الذي عمّق فقدان الثقة بين المواطنين والدولة.
مجتمع منقسم ودولة تتآكل
إن أخطر ما أنتجته الأزمة اللبنانية ليس الانهيار الاقتصادي فحسب، بل التآكل التدريجي للنسيج الاجتماعي الوطني. فمع اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وازدياد معدلات البطالة والهجرة، وجد كثير من اللبنانيين أنفسهم مضطرين للعودة إلى الهويات الطائفية والمناطقية باعتبارها الملاذ الوحيد في ظل غياب الدولة.
ومع كل أزمة جديدة، تتراجع فرص بناء هوية وطنية جامعة، فيما تتعزّز الانقسامات السياسية والاجتماعية. وبات المواطن اللبناني يعيش بين هاجس البقاء الاقتصادي والخوف من الآخر، في مشهد يعكس فشلاً جماعياً في حماية فكرة الدولة نفسها.
كما ساهمت التدخلات الإقليمية والدولية في تعقيد المشهد أكثر، إذ تحوّلت الساحة اللبنانية مراراً إلى مساحة لتقاطع المصالح والصراعات الخارجية. وفي كثير من الأحيان، تم دعم أطراف داخلية على حساب بناء مؤسسات وطنية قوية وقادرة على إدارة الاختلافات بصورة سلمية ومستدامة.
كلنا مسؤولون
قد يكون من السهل تحميل الطبقة السياسية وحدها مسؤولية ما وصل إليه لبنان، لكنها ليست المسؤولة الوحيدة.
فالسياسيون استغلوا الانقسامات الطائفية لترسيخ نفوذهم، لكن جزءاً من المجتمع استمر في منحهم الشرعية من خلال إعادة إنتاج المنظومة نفسها في كل استحقاق سياسي. كما أن ثقافة التسويات المؤقتة وتقديم الولاءات الضيقة على المصلحة الوطنية ساهمت في إطالة عمر الأزمة وتعميقها.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن إغفال دور القوى الإقليمية والدولية التي تعاملت مع لبنان في كثير من الأحيان كساحة نفوذ أكثر منه دولة ذات سيادة تستحق الدعم والاستقرار. إن الأزمة اللبنانية هي نتاج مسؤولية مشتركة، تتوزّع بين السلطة السياسية والمجتمع والقوى الخارجية، وهو ما يجعل معالجتها أكثر تعقيداً، لكنه يجعل أيضاً من الاعتراف بالمسؤولية الجماعية شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي.
نحو عقد وطني جديد
الخروج من الأزمة لا يمكن أن يتحقق عبر تبادل الاتهامات أو إعادة إنتاج الخطابات القديمة. المطلوب هو مراجعة وطنية شاملة تعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الطائفية والفئوية. كما يتطلب الأمر بناء مؤسسات قادرة على ممارسة الحوكمة الرشيدة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من النصوص والشعارات، بل من الإرادة السياسية والوعي المجتمعي بضرورة التغيير.
وعلى المستوى الخارجي، يحتاج لبنان إلى دعم يحترم سيادته ووحدته الوطنية، ويساعده على استعادة استقراره بعيداً عن منطق المحاور والصراعات الإقليمية. إن ما يمر به لبنان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة تاريخية تكشف عيوب النظام السياسي واختلال العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهي لحظة تفرض على الجميع، مواطنين وقادة وشركاء دوليين، مواجهة الحقائق بشجاعة ومسؤولية. فلا أحد بريء بالكامل مما آلت إليه الأوضاع، ولا أحد قادر بمفرده على إنقاذ البلاد.
إن مستقبل لبنان لن يُبنى على الانقسامات الطائفية ولا على الحسابات الضيقة، بل على الاعتراف بالمسؤولية المشتركة، واستعادة فكرة الدولة، وإحياء الشعور الوطني الجامع. فقط عندما يدرك اللبنانيون أن مصيرهم واحد، وأن بقاء الدولة فوق مصالح الطوائف والأفراد، يمكن للبنان أن يخرج من أزمته ويستعيد مكانته كدولة قادرة على الحياة والاستقرار والازدهار.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
