أيلول يترنّح بين الميدان والتفاوض

فإذا خرجت اليونيفيل ولم يكن الجيش اللبناني قد امتلك القدرة الكاملة على ملء الفراغ، فمن يملأه؟ لذلك فإن معركة الجنوب ليست فقط حول الانسحاب الإسرائيلي أو سلاح حزب الله؛ إنها أيضًا حول الهندسة الأمنية للجنوب بعد الحرب. وهذا يفسر لماذا أصبح مستقبل اليونيفيل جزءًا من المفاوضات غير المباشرة. إلّا أنّ الهندسة الوحيدة والحقيقيّة يجب أن تنطلق من تسيّد الدّولة اللبنانيّة، على أن تكون قوّة أجنبيّة، بغير المهام التي اضطلعت بها اليونيفيل، قوّة مساندة للجيش اللبناني.

خاص بوابة بيروت

نجحت إسرائيل بتغيير الوقائع وأبقت التفاوض في ثلاجة الانتظار. وهذا التغيير بات يطال الجغرافيا حيث يلاحظ المراقبون تغيير المعالم في أماكن تواجدها ولا سيّما في المنصوري وحولا وميس الجبل، مع هدم منازل وقصف مدفعي وتفجيرات. وفي المنصوري تحديدًا جرى تجريف منازل في أحد الأحياء، فيما استمر القصف على مناطق أخرى.

فيما الأرقام الصّادرة بحسب إحصاءات وزارة الصحّة الأخيرة بلغت من حرب إسناد غزّة حتّى الثأر لمقتل الخامينئي وإسناد طهران قد بلغت 8920 ضحيّة و30559 جريحًا، هذا طبعًا من دون احتساب أعداد عناصر المنظّمة المفقودين في الميدان. وهذا المؤشّر الخطير مرشّح للتنامي أكثر في ظلّ استمرار التعنّت نفسه. وهنا تكمن خطورة ما يجري في «علي الطاهر» والمنصوري وغيرها.

فإذا نجحت إسرائيل بتغيير الخريطة الميدانية قبل الجولة المقبلة، فقد يصبح التفاوض لاحقًا حول وقائع جديدة لا حول العودة إلى الوضع السابق. فهل تعي منظّمة حزب الله في أيّ خانة تضع الدّولة اللبنانيّة؟

الدولة بين دبلوماسية عون ومواجهة برّي

في خطابي جوزاف عون ونبيه برّي، لا تبدو الدولة موضع خلاف، بل تبدو المسألة في الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدولة في حماية لبنان واستعادة أرضه. فعون يطرح الدولة بوصفها الطرف الذي يجب أن يمسك بكل حلقات المعادلة: تفاوض دبلوماسيًّا، تحمي عسكريًّا، تحتكر السلاح، وتستعيد الأرض؛ ولذلك يربط بين مشكلتي الاحتلال الإسرائيلي والسلاح خارج سلطة الدولة، معتبرًا أنّ معالجتهما يجب أن تسير بالتوازي، عبر انسحاب إسرائيليٍّ كامل يقابله بسط القوى الشرعية سيطرتها الكاملة على الأراضي اللبنانية. وهكذا يكون الرّئيس عون قد اعترف بمشكلتين متوازيتين: السلاح غير الشرعي والاحتلال الاسرائيلي.

أما برّي، فينطلق من الدولة نفسها، لكنه يضعها في موقع المواجهة السياسية والتفاوضية مع إسرائيل، متمسكًا بالجيش والوحدة الوطنية والسلم الأهلي كخطوط حمراء، ورافضًا أن يتحول التفاوض إلى أداة لفرض ترتيبات على الجنوب أو انتزاع تنازلات لبنانية تحت النار، كما يتمسك بحق لبنان في مقاضاة إسرائيل.

وهنا يكمن الفارق الحقيقيبين الشّخصيّتين في مقاربة مفهوم الدّولة. فنحن عمليًّا نعيش في دولتين مختلفتين ضمن حدود واحدة. فعون يريد أن تصبح الدولة هي الإطار الذي تُحلّ داخله معادلة الجنوب، فيما يريد برّي أن تكون الدولة هي الإطار الذي تُدار من خلاله مواجهة إسرائيل من دون أن يتحول التفاوض إلى بديل عن العناصر التي يعتبرها برّي وفريقه السياسي عناصر القوة القائمة في الجنوب.

وبعبارة أخرى، يتفق الرجلان على مركزية الدولة، لكنهما يختلفان على الطريق إليها: عون يبدأ من حصرية قرار القوة لدى الدولة للوصول إلى استعادة الأرض، وبرّي يبدأ من حماية الأرض وحقوق لبنان للوصول إلى دولة لا تُفرض عليها ترتيبات تحت الضغط.

فالرئاسة تحاول تقديم حلّ مزدوج: انسحاب إسرائيل مقابل حصرية السلاح بيد الدولة. فيما بري يريد منع تحويل التفاوض إلى مسار منفصل عن وقف النار والانسحاب. هذا لا يعني بالضرورة وجود صدام بين الرجلين، لكنّه يكشف أن السلطة اللبنانية لم تحسم بعد الشكل النهائي للتفاوض مع إسرائيل؛ ولعلّ ذلك مردّه أنّ هذه السلطة بالذّات تعيش في واقع متناقض حول جوهر وجود الدّولة. وهذا ما لا يمكن أن يستمرّ.

وبين الصيغتين يعود السؤال الذي رافق لبنان منذ اجتياح 1978 وما تلاه من نشوء أدوار مسلحة خارج الدولة: هل تستعيد الدولة قدرتها على حماية الجنوب أولًا فتحتكر السلاح، أم تستعيد الجنوب أولًا ثم تصبح قادرة على احتكار السلاح؟

اليونيفيل أزمة صامتة

فيما يبدو الأقل صخبًا إعلاميًّا من القصف، لكنه الأخطر استراتيجيًّا، ومن المرشّح أن يصبح أزمة جديدة صامتة، هو مستقبل الوجود الدولي في الجنوب مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل، وسط مخاوف من حصول فراغ أمني. فإذا خرجت اليونيفيل ولم يكن الجيش اللبناني قد امتلك القدرة الكاملة على ملء الفراغ، فمن يملأه؟

لذلك فإن معركة الجنوب ليست فقط حول الانسحاب الإسرائيلي أو سلاح حزب الله؛ إنها أيضًا حول الهندسة الأمنية للجنوب بعد الحرب. وهذا يفسر لماذا أصبح مستقبل اليونيفيل جزءًا من المفاوضات غير المباشرة. إلّا أنّ الهندسة الوحيدة والحقيقيّة يجب أن تنطلق من تسيّد الدّولة اللبنانيّة، على أن تكون قوّة أجنبيّة، بغير المهام التي اضطلعت بها اليونيفيل، قوّة مساندة للجيش اللبناني.

وهذا ما جعل الجيش عمليًّا الطرف الذي تتوقف عليه أجزاء كبيرة من المعادلة الجديدة في ظلّ وجود الدّعم الدّولي المتزايد له، حيث نجح فخامته بالحصول على دفعة من المساعدات العسكريّة من دولة اليونان؛ فيما يجري التّحضير لمؤتمر دعم أوروبيّ في ظلّ توجّس أميركيّ من حراك عون – هيكل وذلك على وقع ضغوط ثلاثة تحكم واقع المؤسسة اليوم:

  •  إسرائيل تريد نتائج أمنية أسرع.
  •  الدولة تريد تثبيت سيادتها.
  •  حزب الله يرفض أن يتحول الضغط الخارجي إلى إملاء داخلي.

تداعيات اشتعال إيران

إقليميًّا، عادت المواجهة الأميركية – الإيرانية إلى الواجهة بقوة بعد تبادل ضربات مباشرة، فيما عاد مضيق هرمز إلى قلب الأزمة. وهذا ما أدّى إلى ارتفاع في أسعار النّفط مع عودة المخاوف من تعطّل الملاحة في هرمز. فاستمرار المواجهة أو توسعها قد يعيد لبنان إلى موقعه التقليدي باعتباره إحدى ساحات الضغط الإيرانية – الإسرائيلية؛ ولا سيّما أنّ الإسرائيلي عازم على الإجهاز على آخر المواقع الإيرانيّة المتقدّمة في لبنان. ما يعني عمليًّا أنّ المواجهة بعد أيلول ستنتقل إلى العمق اللبناني إن لم يتدارك الجيش ويقوم بالمهام التي أقرّتها السلطة السياسيّة في جلسة السابع من آب 2025.

وهذا ما انعكس أيضًا على الاقتصاد اللبناني الذي بدأ يتلقى الصدمة الإقليمية. فارتفعت أسعار المحروقات في لبنان مع ارتفاع النفط عالميًّا. وفي المقابل، أصدر مصرف لبنان توضيحًا ينفي وقف صرف الحصص الدولارية الشهرية للمودعين، في محاولة لتهدئة المخاوف في السوق. لكن الأخطر في ذلك كلّه هو أنّ أي توسع إقليمي قد يعيد خلط الأوراق اللبنانية بالكامل.

الصراع لم ينتقل ببساطة من الميدان إلى التفاوض؛ بل أصبح هناك تفاوض تحت ضغط الميدان، وميدان يُستخدم لتعديل شروط التفاوض.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك