من شرعيّة القّوة إلى قوّة الشّرعيّة
ويبقى أنّ هذا المجتمع بأكمله يحتاج اليوم إلى مشروع بديل عن المشروع الذي قدّمته له المنظّمة طوال أربعة عقود. وليس المقصود هنا مشروعًا انتخابيًّا أو حزبيًّا محدودًا، ولا مشروعًا سياسيًّا عابرًا. فلا يمكن لأيّ جهة سياسيّة أو اجتماعيّة أو حزبيّة، منفردةً، أن تقدّم مشروعًا قادرًا على استيعاب حاجات بيئة كاملة بهذا الحجم والتعقيد، بعد عقود من ربط مصيرها بمشروع عسكري وإقليمي يتجاوز حدود الدولة اللبنانيّة.
خاص بوابة بيروت
مُخطئٌ مَن يظنّ أنّ الإسرائيلي سيقف عند حدود ما حقّقه في الميدان حتّى الساعة، ومُخطئٌ أيضًا مَن يعتقد أنّ قوّة الشرعيّة التي تمتلكها الدولة اللبنانيّة غير قادرة على إيقافه. غير أنّ الإشكاليّة الحقيقيّة تكمن في أنّ منظّمة «حزب الله» لا تزال تُصرّ على شرعيّة القوّة نفسها التي أدّت إلى دمار الجنوب، وإلى سقوط تلالٍ ومواقعَ استراتيجيّة، وفي مقدّمها تلة علي الطاهر ومحيطها.
واليوم، باتت مدينة النبطيّة، ومعها مواقع حيويّة في جنوب لبنان، واقعةً عمليًّا تحت حكم السيطرة بالنار، وهو ما يفتح أمام إسرائيل بابين استراتيجيّين:
- الأوّل يوصلها إلى البقاع الغربي عبر إحكام السيطرة بالنار على مساحات واسعة، مستفيدةً من سيطرتها الميدانيّة على مواقع وجبال استراتيجية في منطقة الريحان ومحيطها.
- أمّا الباب الثاني، فيرتبط بالضغط العسكري على المحاور المؤدّية إلى إقليم الخروب وصيدا، بما يجعل طرقًا حيويّة باتجاه بيروت عرضةً للخطر والتهديد.
لقد نجحت منظّمة «حزب الله»، فعليًّا وعلى أرض الواقع، في إهدار فرصة ثمينة ربما لن تتكرّر للدولة اللبنانيّة. فقد كانت الدولة قادرة، لو تمكّنت من الإمساك بالقرار الوطني ومواجهة منطق السلاح خارج شرعيّتها، على الحدّ من الاندفاع الإسرائيلي ومنع تحويل الحرب إلى مسار مفتوح. إلّا أنّ قرار دفع «حزب الله» نحو المزيد من الانتحار السياسي والعسكري بدا، في نهاية المطاف، قرارًا يتجاوز الحسابات اللبنانيّة، ويخضع لحسابات إقليميّة، وفي مقدّمها الحسابات الإيرانيّة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من أوراق النفوذ والمواقع المتقدّمة.
وأمام هذا المسار الانحداري في الميدان، وأمام التصريحات الإسرائيليّة المتكرّرة التي تؤكّد أنّ إسرائيل لن تتوقّف عمّا بدأته قبل الوصول إلى إنهاء سلاح «حزب الله» بصورة كاملة، يصبح من الواضح أنّ التطوّرات الميدانيّة قد تنعكس مباشرةً على المسار التفاوضي. فالخطر لا يكمن فقط في تعطيل المفاوضات، بل في الوصول إلى طاولة تفاوض بشروط غير متكافئة، حيث يسعى الإسرائيلي إلى تغيير الوقائع وفرض شروط جديدة انطلاقًا من المكاسب التي قد يحقّقها في الميدان.
وقد أثبتت التجارب، مرارًا، مدى محدوديّة التهديدات التي كان أمين عام «حزب الله» يطلقها يمينًا ويسارًا، عندما اصطدمت تلك التهديدات بالواقع العسكري والسياسي. والمشكلة اليوم أنّ الاستمرار بالوتيرة نفسها لا يعني فقط استمرار المواجهة، بل قد يدفع مجتمعًا بكامله إلى مزيد من الانهيار والانتحار الجماعي.
وهنا يُطرح السؤال الأكثر إيلامًا: هل كُتب على شيعة لبنان أن يبقوا ” المحرومين” طيلة تاريخ وجودهم؟
لكنّ المأساة هذه المرّة تختلف عن كلّ ما سبق. فالحرمان الذي يواجهه هذا المجتمع لم يعد فقط نتيجة سياسات الدولة أو اختلالات النظام أو التهميش التاريخي، بل أصبح، في جانب أساسي منه، نتيجة خيارات اتُّخذت من داخل بيئته نفسها. حرمانٌ من حقّ الحياة، ومن حقّ الاستقرار، ومن حقّ الوجود الطبيعي.
وهنا بالتحديد تكمن خطورة الخطيئة التي ارتكبتها منظّمة «حزب الله» بحقّ مجتمعها وبيئتها الحاضنة، تلك البيئة التي قدّمت لها، على مدى عقود، أغلى ما لديها.
ويبقى أنّ هذا المجتمع بأكمله يحتاج اليوم إلى مشروع بديل عن المشروع الذي قدّمته له المنظّمة طوال أربعة عقود. وليس المقصود هنا مشروعًا انتخابيًّا أو حزبيًّا محدودًا، ولا مشروعًا سياسيًّا عابرًا. فلا يمكن لأيّ جهة سياسيّة أو اجتماعيّة أو حزبيّة، منفردةً، أن تقدّم مشروعًا قادرًا على استيعاب حاجات بيئة كاملة بهذا الحجم والتعقيد، بعد عقود من ربط مصيرها بمشروع عسكري وإقليمي يتجاوز حدود الدولة اللبنانيّة.
الشيعة اليوم ليسوا بحاجة إلى مِنّة من إيران، ولا من أيّ جهة دوليّة. فهم من بناة هذا الوطن، ومن مكوّناته التأسيسيّة، ولا يمكن التعامل معهم بوصفهم جماعةً تحتاج إلى من يمنحها حقّها في الوجود. فهذه حقيقة وجوديّة قبل أن تكون سياسيّة: مَن ينكر وجود الآخرين، سيأتي يوم يجد فيه أنّ وجوده نفسه أصبح موضع إنكار.
والحاجة الحقيقيّة الوحيدة التي يفترض أن تُقدَّم اليوم هي مشروع الدولة: دولةٌ ضامنة لوجود جميع مكوّناتها، ولحقوق مواطنيها، ولحريّة كلّ جماعة في ممارسة قناعاتها ضمن إطار القانون والمؤسّسات.
غير أنّ الإشكاليّة التي تبقى قائمة في هذا السياق تتعلّق باعتراف جميع المكوّنات بحقّ هذه الدولة في الوجود. ففي نهاية المطاف، لا يمكن لدولة أن تقبل في كنفها من لا يعترف بشرعيّتها، ولا يمكنها أن تستمرّ إذا كان في داخلها مَن يجاهر بانتمائه إلى مشروع آخر، ويضع ولاءه لجهة خارجيّة فوق وجود الدولة نفسها.
وهذا ما يفرض على اللبنانيّين جميعًا جلسة مصارحة وطنيّة صريحة حول حقيقة الوطن الذي يريدونه: حول صيغته، ونظامه، وحدود سلطته، بل وحول معنى وجوده نفسه. فأيّ صيغة لا تضمن استمرار التعدّدية اللبنانيّة هي صيغة ناقصة، وأيّ نظام سياسي لا يضمن حقّ كلّ مكوّن في العيش وفقًا لقناعاته بحرّيّة وكرامة هو نظام عاجز عن إنتاج الاستقرار.
ولعلّ السلاح غير الشرعي هو أولويّة هذه المرحلة، لأنّه يمثّل العقبة الأساسية أمام قيام الدولة واستعادة قرارها. لكنّ التحدّي الأصعب لا يقتصر على نزع هذا السلاح فحسب، بل يكمن في إدارة المرحلة التي تلي ذلك، وفي بناء البديل الذي يمنع تحويل سقوط المشروع المسلّح إلى سقوط المجتمع الذي عاش في ظلّه. فالسلاح غير الشرعي لم يوفّر الحماية للمظلومين، ولم يكن يومًا في خدمة الدولة. بل تحوّل، مع مرور الزمن، إلى غطاءٍ لمشروعٍ خاصّ وضع جماعةً كاملة في مواجهة الدولة، وربط مصيرها بحسابات لا تملك القدرة على التحكّم بها.
والتحدّي الحقيقي اليوم يبرز في الانتقال من شرعيّة القوّة إلى قوّة الشرعيّة. وخطئ من يظنّ أنّ الشرعيّة لا تحمي ولا تبني. فبالعكس تمامًا لأنّ الدّستور والقانون هما ضمانة الحرّيّة، والدّولة هي الإطار الذي يعيش فيه المواطنون كلّهم هذه الحرّيّة. فالمشروع الوطني الذي يعيد لكلّ لبناني حقّه الطبيعي في الحياة والكرامة والانتماء إلى وطنٍ واحد يبقى مشروع الدّولة فقط.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير