الجنوب أمام القضم : كيف نمنع سقوط ما تبقى؟
اليوم لا يحتاج لبنان إلى انتصار طرف لبناني على طرف لبناني آخر. يحتاج إلى وقف النزيف، ومنع القضم، وحماية الناس، واستعادة الدولة، وإنتاج استراتيجية تستطيع أن تتعامل مع الواقع لا أن تنكره...
–
ما يجري في الجنوب اللبناني لم يعد مجرد جولة عسكرية أخرى يمكن إضافتها إلى سجل طويل من الصراع. فبعد سنوات من المواجهة، لم تعد الصورة تُقاس بعدد الغارات أو بجولة عسكرية تنتهي لتبدأ أخرى، بل بما تركته الحرب على الأرض: قرى دُمّرت، معالم جُرفت، طرق ومناطق تغيرت صورتها، سكان نزحوا، ومساحات تتعرض للقصف والاستهداف والقضم بصورة متواصلة.
وحين يصبح الدمار بهذا الحجم، يتغير السؤال.
لم يعد السؤال فقط: من بدأ؟ ومن ردّ؟ ومن يملك الحق في المقاومة أو التفاوض؟
السؤال الأهم هو: ماذا نفعل عندما لا تنجح الاستراتيجية القائمة في منع النتائج التي قامت أصلاً من أجل منعها؟
هذه ليست دعوة إلى الاستسلام، ولا حكماً على حق لبنان في مقاومة الاحتلال. إنها محاولة للانتقال من منطق المواقف إلى منطق تقييم الاستراتيجيات، لأن الحرب في النهاية لا تُقاس فقط بما نريده منها، بل بما تنتجه على الأرض.
عندما تصبح النتائج أقوى من الشعارات
إذا كان الهدف من المواجهة هو حماية الجنوب ومنع الاحتلال والقضم والحفاظ على الأرض، فإن استمرار القصف والدمار والنزوح وتغير الوقائع الميدانية يفرض مراجعة جدية للاستراتيجية المتبعة.
ولا يكفي هنا القول إن المقاومة ما زالت قادرة على القتال. فالقدرة على القتال ليست هي نفسها القدرة على تحقيق الهدف.
قد يستطيع طرف أن يوجه ضربات إلى خصمه، وأن يرفع كلفة الحرب عليه، وأن يحافظ على قدرة معينة على الاستمرار، لكنه قد يعجز في الوقت نفسه عن منع خصمه من تدمير القرى أو تغيير الوقائع الميدانية أو فرض شروط جديدة على الأرض.
وهذا هو الفارق بين القدرة العسكرية والنجاح الاستراتيجي.
فالاستراتيجية تُقاس في النهاية بمدى قدرتها على تحويل القوة إلى نتيجة سياسية وعسكرية تتناسب مع الهدف الذي أُعلنت من أجله.
ومن هذه الزاوية، فإن الاستراتيجية التي اتُّبعت خلال السنوات الماضية تحتاج إلى مراجعة قاسية وصريحة؛ لأنها، وفق النتائج الماثلة أمامنا، لم تنجح في منع القضم والدمار بالمستوى الذي كان يفترض أن تحققه.
والاعتراف بهذا الفشل لا يعني أن فكرة المقاومة نفسها فشلت، ولا يعني أن حق لبنان في الدفاع عن أرضه سقط.
إنه يعني شيئاً أكثر تحديداً: أن استراتيجية معينة لم تنتج النتيجة التي كان يُفترض أن تنتجها، وأن استمرارها بالشكل نفسه يحتاج إلى تبرير جديد، لا إلى تكرار الشعارات القديمة.
وما البديل؟
هنا تصبح المسألة أكثر صعوبة.
فمن السهل أن نقول إن التفاوض غير مجدٍ، أو إن الدولة ضعيفة، أو إن المقاومة يجب أن تستمر. لكن السياسة والاستراتيجية لا تُبنى على الرفض وحده.
إذا كان التفاوض مرفوضاً، فما البديل القابل للتنفيذ؟
وإذا كانت المواجهة العسكرية هي البديل، فما الهدف المحدد الذي تستطيع تحقيقه؟ وكيف ستمنع القضم؟ وكيف ستستعيد الأرض التي تغيرت وقائعها؟ وكيف ستضمن عودة السكان؟ وما حجم الكلفة التي يستطيع لبنان والجنوب تحملها؟
هذه ليست أسئلة ضد المقاومة.
إنها أسئلة ضرورية لأي استراتيجية تريد أن تكون قابلة للدفاع عنها.
فالقول إن القتال يجب أن يستمر لا يجيب وحده عن سؤال: إلى أين؟
والقول إن الاحتلال يجب أن يُقاوم لا يحدد وحده: بأي وسيلة، وبأي سقف، وبأي نتيجة مستهدفة؟
وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات اللحظة الراهنة: أن تتحول الوسيلة إلى غاية، وأن يصبح استمرار المواجهة دليلاً على نجاحها، بصرف النظر عن النتائج التي تنتجها.
القضم أخطر من مجرد خسارة عسكرية
ما يجري لا ينبغي أن يُقرأ على أنه سلسلة من الخسائر المنفصلة.
فقدان قرية ليس مجرد فقدان قرية، وتدمير طريق ليس مجرد تدمير طريق، والنزوح ليس مجرد حركة سكانية مؤقتة. عندما تتراكم هذه الوقائع، يمكن أن تتحول الخسارة التكتيكية إلى تحول استراتيجي.
وهنا تكمن خطورة القضم.
فالخصم لا يحتاج بالضرورة إلى احتلال مساحة واسعة دفعة واحدة. يكفي أن يراكم وقائع صغيرة، ثم يحولها مع مرور الوقت إلى واقع جديد يصعب التراجع عنه. ولهذا فإن الخطر الحقيقي ليس فقط فيما خسره الجنوب حتى الآن، بل في أن تصبح الخسارة السابقة أساساً للخسارة التالية.
وهنا يجب أن يكون التفكير اللبناني أسرع من تغير الوقائع.
الدولة ليست متفرجاً
في المقابل، لا يمكن أن تتحول مراجعة استراتيجية المقاومة إلى وسيلة لإعفاء الدولة من مسؤوليتها. الدولة اللبنانية أمام مسؤولية لا يمكن تأجيلها.
فإذا كانت الدولة تعتبر أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون وطنياً، فعليها أن تمتلك القدرة السياسية والمؤسساتية التي تجعل هذا القرار ممكناً.
وإذا كان الجيش هو المؤسسة الوطنية المكلفة حماية الحدود، فعلى الدولة أن تحدد له دوراً واقعياً، وأن تؤمن له الغطاء السياسي والإمكانات اللازمة، وألا تطلب منه في الوقت نفسه مهمات تتجاوز قدراته أو شروط الميدان.
ليس المطلوب أن يدخل الجيش في حرب لا يستطيع خوضها، ولا أن يتحول إلى قوة مواجهة مع بيئة لبنانية.
المطلوب أن يستعيد حضوره حيث يستطيع، وأن يحمي السكان والمؤسسات، وأن يكون جزءاً من استراتيجية وطنية أوسع.
فالدولة لا تُستعاد بشعار «الجيش هو الحل»، كما لا تُبنى الدولة بمجرد وجود الجيش على الأرض. الدولة تُبنى عندما تصبح مؤسساتها جزءاً من منظومة قرار واحدة، واضحة الأهداف والمسؤوليات.
لا يكفي أن تفاوض الدولة
وفي الوقت نفسه، لا يكفي أن تقول الدولة إنها تفاوض. التفاوض أداة، وليس استراتيجية مكتملة بذاتها.
إذا كان المسار التفاوضي يستطيع وقف القضم وحماية الأرض وتأمين الانسحاب، فيجب استخدامه وتطويره.
أما إذا كان غير قادر على تحقيق هذه الأهداف، فعلى الدولة أن تبحث عن أدوات ضغط إضافية، دبلوماسية وسياسية وقانونية ودولية، وأن تربط التفاوض بقدرة فعلية على التأثير في كلفة استمرار الاحتلال.
فالضعف في المفاوضات لا يُعالج بالانسحاب منها بالضرورة، كما أن الاستمرار فيها لا يكون فضيلة إذا أصبحت مجرد إدارة للخسارة.
المطلوب هو تفاوض مدعوم باستراتيجية وطنية، لا تفاوض منفصل عن الواقع الميداني.
ولا يمكن أيضاً ترك الجنوب للحرب وحدها
الجنوب لا يحتمل أن يبقى منطقة اختبار دائمة بين الاستراتيجيات. ولا يمكن أن يُطلب من سكانه أن يدفعوا كلفة كل خلاف على تعريف المقاومة، أو على حدود الدولة، أو على جدوى التفاوض.
الجنوبي ليس رقماً في معادلة الردع، ولا ورقة تفاوض، ولا مساحة جغرافية مفتوحة للصراع. هو مواطن يريد أن يعيش في أرضه، وأن يعرف من يحميه، ومن يقرر الحرب والسلم، ومن يعيد بناء بيته إذا دُمّر، ومن يضمن ألا تتحول قريته إلى خط تماس دائم.
وهنا لا ينبغي أن يُطلب من الجنوبي الاختيار بين الدولة والمقاومة بوصفهما خيارين متناقضين بالضرورة.
السؤال الأصح هو: كيف يمكن بناء منظومة دفاع وطنية تجعل الدولة صاحبة القرار، وتستفيد في الوقت نفسه من كل قدرة يمكن أن تسهم في حماية لبنان، ضمن قواعد وطنية واضحة؟
الحاجة إلى استراتيجية جديدة
لبنان لا يملك ترف الاستمرار في إدارة الحرب بالطريقة نفسها وانتظار نتيجة مختلفة. وهو أيضاً لا يملك ترف الدخول في حرب مفتوحة لا يملك شروطها. كما لا يستطيع أن يتعامل مع التفاوض وكأنه حل سحري.
المطلوب هو استراتيجية وطنية واقعية تقوم على عدة مبادئ:
حماية المدنيين أولاً.
منع تحول القضم إلى واقع دائم.
تعزيز حضور الدولة والجيش حيث تسمح الظروف.
استخدام التفاوض والضغط الدبلوماسي والسياسي والقانوني بالتوازي، لا كل أداة بمعزل عن الأخرى.
وضع استراتيجية دفاعية وطنية واضحة تحدد أدوار الدولة ومؤسساتها وكل القدرات الدفاعية الموجودة في لبنان، وتضع قرار استخدامها ضمن إطار وطني ومؤسساتي.
والأهم: وضع أهداف قابلة للقياس، حتى لا تتحول أي استراتيجية إلى عقيدة مغلقة لا تُراجع مهما كانت نتائجها. فالاستراتيجية الناجحة ليست التي لا تتغير. بل التي تتغير عندما تتغير المعطيات.
الجنوبي لا يريد انتصاراً على الورق
ما يهم المواطن في النهاية ليس عدد البيانات التي صدرت، ولا عدد المرات التي أعلن فيها كل طرف أنه انتصر.
ما يهمه أن تبقى أرضه.
أن يبقى بيته.
أن تعود عائلته.
أن يفتح طريقه.
أن تعمل مدرسته ومستشفاه ومؤسساته.
وأن يعرف أن الغد لن يحمل له جولة جديدة من الحرب بالمنطق نفسه.
وما يجري اليوم ليس مجرد أرقام في نشرات الأخبار.
إنه زمن يُقاس بأعمار الناس: كبير يهرم من الخوف والانتظار، وصغير يشيب قبل أوانه، وعائلة لا تعرف إن كانت ستعود إلى بيتها أم إلى ما بقي من بيتها.
لهذا لم تعد المراجعة الاستراتيجية ترفاً.
المقاومة ليست فوق النقد.
الدولة ليست فوق المساءلة.
التفاوض ليس فوق التقييم.
وإسرائيل ليست فوق القانون.
لكن النقد وحده لا يكفي.
المطلوب هو إنتاج بديل.
بديل لا يقوم على وهم القدرة المطلقة، ولا على وهم أن التفاوض وحده سينهي المشكلة، ولا على انتظار المجتمع الدولي كي يحل مشكلة لبنان نيابة عنه.
المطلوب أن تتحول القوة اللبنانية، بمختلف أشكالها، إلى قدرة وطنية لها هدف واضح، وقرار واضح، وحدود واضحة، ومسؤولية واضحة.
فالمفاوضات ليست استسلاماً، والحرب ليست تحريراً لمجرد أنها حرب.
والنتيجة هي المعيار.
اليوم لا يحتاج لبنان إلى انتصار طرف لبناني على طرف لبناني آخر. يحتاج إلى وقف النزيف، ومنع القضم، وحماية الناس، واستعادة الدولة، وإنتاج استراتيجية تستطيع أن تتعامل مع الواقع لا أن تنكره.
لأن السؤال لم يعد فقط: كيف نستعيد ما سقط؟
بل أصبح أكثر إلحاحاً: كيف نمنع أن يصبح ما سقط مقدمة لما سيسقط بعده؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير