الشرق الأوسط أمام إعادة رسم الخريطة

من حرب الحوثيين إلى الممرات التجارية… ماذا تريد السعودية، وماذا سيبقى من مشروع الدولة الفلسطينية؟

خاص بوابة بيروت

لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع داخلي بين الحوثيين والحكومة اليمنية، كما لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تتنافس القوى على تأمينه.

ما يجري اليوم يتجاوز اليمن بكثير.

نحن أمام مرحلة يعاد فيها ترتيب القوة والاقتصاد والممرات التجارية في الشرق الأوسط، من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن السعودية إلى سوريا والأردن وتركيا، وصولاً إلى إسرائيل وغزة والضفة الغربية.

والسؤال لم يعد فقط: من سيربح الحرب في اليمن؟

بل أصبح السؤال الأوسع: أي شرق أوسط سيخرج من هذه المرحلة؟

اليمن وباب المندب: المعركة على الممر

التصعيد الحالي في اليمن وضع باب المندب مجدداً في قلب المعادلة الدولية.

فهذا المضيق ليس مجرد نقطة جغرافية؛ إنه أحد الممرات الحيوية للتجارة والطاقة بين البحر الأحمر والمحيط الهندي. ولذلك فإن أي قوة قادرة على تهديد الملاحة فيه تمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن.

وفي الأيام الأخيرة، أطلقت القوات الحكومية اليمنية المدعومة سعودياً عملية لاستعادة مناطق استراتيجية قرب باب المندب والساحل الغربي، فيما رد الحوثيون بهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة على أهداف داخل السعودية، في تصعيد أعاد اليمن إلى واجهة الصراع الإقليمي.

السعودية أمام معادلة مختلفة هذه المرة.

القضية لم تعد فقط حماية حدودها أو منشآتها، بل حماية موقعها كمركز للطاقة واللوجستيات والتجارة، وعدم السماح بتحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى نقاط اختناق استراتيجية.

ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل ستعتمد الرياض على القوات اليمنية المحلية وحدها، أم ستوسع دائرة الدعم العسكري الخارجي؟

ظهرت في الأسابيع الماضية تقارير عن طلب سعودي سابق من دمشق تنظيم وإرسال مقاتلين سوريين إلى اليمن، إلا أن هذه الرواية لم تؤكدها الحكومتان السعودية والسورية، كما لا يوجد ما يثبت تنفيذ عملية نشر منظمة لقوة سورية في اليمن.

أما الحديث عن إرسال مقاتلين أوزبك أو مقاتلين أجانب آخرين من سوريا إلى اليمن، فلا تتوافر حتى الآن أدلة موثوقة تسمح بتقديمه كواقعة مؤكدة.

وهنا يجب الفصل بين المعلومة والتقرير والتسريب.

فإذا تحولت الحرب إلى مرحلة تعتمد بصورة أكبر على مقاتلين من خارج اليمن، فسيكون ذلك مؤشراً إضافياً على انتقال الصراع من حرب يمنية إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

من باب المندب إلى هرمز: الحرب على الممرات

ربما تكون هذه النقطة هي المفتاح لفهم المشهد كله.

الشرق الأوسط لا يعاد تشكيله فقط بواسطة الجيوش والحدود، بل أيضاً بواسطة الممرات: هرمز، وباب المندب، والبحر الأحمر، والموانئ، وخطوط النفط والغاز، والسكك الحديدية.

فحين تصبح المضائق البحرية عرضة للتعطيل، ترتفع قيمة الطرق البرية والبدائل اللوجستية، ما دفع دول الخليج إلى تسريع مشاريع البنية التحتية التي تقلل من اعتمادها على ممر واحد.

السعودية، على سبيل المثال، تمضي في مشروع الجسر البري السعودي الذي يمتد لنحو 1,500 كيلومتر ويربط ساحل البحر الأحمر بالمنطقة الشرقية على الخليج، وقد انتقل المشروع في 2026 إلى مرحلة متقدمة مع إسناد عقد التصميم.

وهذا ليس مجرد مشروع نقل، بل جزء من استراتيجية أوسع لبناء قدرة لوجستية أكثر مرونة في مواجهة اضطراب الممرات البحرية.

والأهم أن الرياض وأنقرة تبحثان أيضاً في إنشاء خط حديدي يربط السعودية بتركيا مروراً بالأردن وسوريا، مع توقع إنجاز دراسات الجدوى خلال 2026، بينما تحدث مسؤولون أتراك عن إمكانية تنفيذ الربط خلال ثلاث إلى أربع سنوات.

إذا تحول هذا المشروع إلى واقع، فإن الخليج سيكون أقرب إلى تركيا وأوروبا عبر شبكة برية تمر من الأراضي السورية والأردنية، لتتحول سوريا من ساحة صراع إلى جسر محتمل بين الخليج والبحر المتوسط وأوروبا.

ومن المفارقات أن ما دمرته الحروب خلال السنوات الماضية قد يصبح لاحقاً جزءاً من شبكة اقتصادية إقليمية جديدة.

ماذا تريد السعودية في المقابل؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب: ما الثمن الذي ستطلبه السعودية مقابل الدخول في ترتيبات إقليمية كبرى؟

السعودية لا تبحث عن الأمن فقط، بل عن أمن الممرات، والاستثمار، والطاقة، والتكنولوجيا، والتعاون النووي المدني، والشراكة مع الولايات المتحدة، ودور إقليمي يتناسب مع حجمها الاقتصادي والسياسي.

وفي يوليو 2026 وقعت الرياض وواشنطن اتفاقاً للتعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. الاتفاق يشكل الإطار القانوني لتعاون طويل الأمد في البرنامج النووي المدني السعودي.

لكن التطور الأكثر حساسية جاء بعد ذلك.

فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن المضي في الاتفاق النووي سيكون مشروطاً بانضمام السعودية إلى اتفاقات أبراهام وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، في حين لم تكن السعودية قد أعلنت قبول هذا الشرط.

وهنا تصبح المعادلة أكثر وضوحاً: واشنطن تريد التطبيع، الرياض تريد ثمناً استراتيجياً، وفلسطين تقف في قلب المساومة.

النووي السعودي: طاقة أم توازن استراتيجي؟

الاتفاق النووي السعودي ـ الأميركي قُدم رسمياً باعتباره تعاوناً في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، لكنه يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز إنتاج الكهرباء.

فالسعودية موجودة في منطقة تشهد سباقاً على الصواريخ والطاقة النووية والنفوذ الإقليمي، فيما أثارت قضية تخصيب اليورانيوم السعودي نقاشاً حول حدود البرنامج النووي وآليات الرقابة والانتشار النووي.

لذلك لا ينبغي اختزال السؤال في: هل تريد السعودية قنبلة نووية؟

السؤال الأكثر دقة هو: هل تريد السعودية امتلاك القدرة التقنية والاستراتيجية التي تمنع تحول أي دولة إقليمية أخرى إلى قوة نووية مهيمنة؟

وهذا فرق جوهري بين مشروع نووي مدني وبين مشروع تسلح نووي.

إسرائيل والسلام: أي سلام وأي ثمن؟

أما الحديث عن السلام بين السعودية وإسرائيل، فلا يمكن فصله عن القضية الفلسطينية.

فالسلام الذي يقوم فقط على التطبيع والعلاقات الاقتصادية والأمنية والممرات التجارية قد يغير طبيعة العلاقات بين الدول، لكنه لا يحسم الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي.

والسعودية ما زالت تعلن رسمياً أن السلام يرتبط بقيام دولة فلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما أكدت في 2026 رفض التهجير والاستيطان والإجراءات التي تقوض حل الدولتين.

وهنا تظهر العقدة الحقيقية. هل يمكن بناء شرق أوسط جديد من دون حل القضية الفلسطينية؟

ربما يمكن توقيع اتفاقات وإنشاء ممرات وخطوط سكك حديدية وموانئ ومناطق اقتصادية، لكن استمرار القضية الفلسطينية من دون تسوية سياسية سيبقي المنطقة عرضة لإعادة إنتاج الصراع.

وفي المقابل، فإن استمرار الصراع الفلسطيني المفتوح يمنح القوى الإقليمية والمسلحة فرصة مستمرة لاستخدام القضية الفلسطينية في صراعاتها ومشاريعها الخاصة.

الجبل الأصفر: بين الحقيقة والشائعة

من أكثر الملفات التي عادت إلى التداول فكرة ما يسمى «مملكة الجبل الأصفر» في منطقة بئر طويل بين مصر والسودان.

ظهرت هذه الفكرة عام 2019 عبر إعلان فردي لمشروع لم يحصل على اعتراف دولي، وربطها البعض آنذاك بسيناريوهات لتوطين فلسطينيين خارج الأراضي الفلسطينية.

لكن لا توجد أدلة موثوقة على وجود مشروع دولي قائم حالياً لنقل سكان غزة إلى ما يسمى «الجبل الأصفر».

ولهذا يجب عدم تحويل الشائعة إلى حقيقة.

لكن السؤال الذي تثيره هذه الروايات يستحق النقاش: هل يجري البحث عن حل للقضية الفلسطينية، أم عن حلول جغرافية للقضية الفلسطينية؟

فالفرق هائل. قيام دولة فلسطينية شيء. ونقل الفلسطينيين خارج أرضهم شيء آخر. وأي خلط بين المسارين سيكون تغييراً لطبيعة القضية، لا حلاً لها.

هل انتهى حلم الدولة الفلسطينية؟ ليس بعد. لكن الطريق أصبح أكثر تعقيداً.

فالأمم المتحدة حذرت في سبتمبر 2026 من أن الظروف اللازمة لقيام دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة وقابلة للحياة وذات سيادة تتعرض للتآكل بصورة منهجية.

الدولة ليست إعلاناً سياسياً فقط، بل تحتاج إلى أرض متصلة، ومؤسسات، وسيادة، واقتصاد، وأمن، وحدود، واعتراف دولي.

ولهذا فإن استمرار الاستيطان والضم الفعلي وتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي والانقسام الفلسطيني كلها عوامل تجعل إقامة دولة قابلة للحياة أكثر صعوبة.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يتحول حل الدولتين إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ، أم يبقى عنواناً دبلوماسياً بينما تتغير الوقائع على الأرض؟

إيران: هل يكون التقسيم هو الحل؟

بعد كل ذلك نصل إلى إيران. هل يمكن أن تنتهي المواجهة الإقليمية بتغيير النظام السياسي في طهران، أم بإضعاف نفوذها الإقليمي، أم بإعادة تشكيل الدولة الإيرانية نفسها؟

هنا تظهر فكرة تقسيم إيران التي بدأت تُطرح في بعض النقاشات والتحليلات.

لكن تقسيم دولة بحجم إيران وتعقيدها القومي والجغرافي والاقتصادي ليس قراراً يمكن اتخاذه بسهولة، كما أن انهيار المركز السياسي لا يعني تلقائياً ولادة كيانات مستقرة.

قد تكون النتيجة، في حال حدوث تفكك، صراعات طويلة على الحدود والطاقة والموانئ والمناطق ذات التركيبة القومية المتعددة.

لذلك يجب التعامل مع تقسيم إيران كسيناريو محتمل ضمن مجموعة سيناريوهات، وليس كخطة محسومة. والسؤال الأهم ليس فقط: هل تتغير حدود إيران؟

بل: هل تستطيع المنطقة بناء نظام أمني جديد من دون أن تنتقل الفوضى الإيرانية إلى جوارها؟

وهل سيبقى اليمن موحداً؟

السؤال نفسه يطرح على اليمن.

اليمن الموحد ظل هدفاً معلناً في المسار الدولي، لكن الوقائع السياسية والعسكرية أكثر تعقيداً.

الحوثيون يسيطرون على مناطق واسعة في الشمال، فيما توجد الحكومة المعترف بها دولياً وقوى محلية متعددة، بينها قوى جنوبية تحمل رؤى مختلفة لمستقبل الدولة.

ومع عودة المعارك إلى الساحل الغربي وباب المندب، فإن السؤال المقبل لن يكون فقط: من يسيطر على صنعاء؟

بل: كيف سيبدو اليمن بعد الحرب؟

هل يبقى دولة موحدة مع لامركزية واسعة؟

هل يتحول إلى نظام اتحادي أكثر رسوخاً؟

هل يعود مشروع الانفصال الجنوبي إلى الواجهة؟

أم تفرض نتائج الحرب صيغة جديدة؟

كل هذه الاحتمالات موجودة في النقاش.

لكن المؤكد أن استمرار الانقسام العسكري والسياسي يجعل شكل الدولة اليمنية بعد الحرب أحد أهم الملفات التي ستحدد مستقبل البحر الأحمر نفسه.

الممرات ترسم السياسة

إذا جمعنا هذه الملفات كلها، تبدأ الصورة بالظهور.

اليمن ليس وحده، وباب المندب وهرمز ليسا منفصلين عن شبكة أوسع من الموانئ والسكك والطاقة والحدود.

السعودية لا تتحرك في فراغ، ومشاريع النقل ليست مجرد بنية تحتية، كما أن النووي السعودي والتطبيع مع إسرائيل وغزة ليست ملفات منفصلة عن إعادة تشكيل المنطقة.

كل هذه الملفات تتقاطع عند سؤال واحد: من سيمتلك مفاتيح الشرق الأوسط الجديد؟

  • مفاتيح الطاقة.
  • مفاتيح الموانئ.
  • مفاتيح الممرات.
  • مفاتيح الأمن.
  • ومفاتيح التسوية الفلسطينية.

وقد تكون المرحلة الأخطر هي تلك التي تتوقف فيها الحروب قبل أن تستقر خرائط النفوذ.

فالمنطقة لا تحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى ترتيبات سياسية تعيد بناء الدول، لا إلى ترتيبات مؤقتة تعيد توزيع النفوذ بين القوى المسلحة والدول الإقليمية.

وفي النهاية، قد لا تكون المعركة الحقيقية على المدن وحدها، بل على الطرق التي تصل المدن ببعضها، والموانئ التي تربط القارات، والطاقة التي تحرك الاقتصاد، والحدود التي تحدد شكل الدول.

ويبقى السؤال الأكبر: هل نحن أمام ولادة شرق أوسط جديد تُبنى فيه الدول والممرات والاقتصادات، أم أمام شرق أوسط جديد تُرسم حدوده على وقع الحروب؟

الجواب لن تحدده البيانات السياسية وحدها.

الميدان، والموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة، والحدود… هي التي سترسم الخريطة المقبلة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك