خاص بوابة بيروت
في لحظة حساسة يمر بها لبنان، حيث تتعرض مؤسسات الدولة لاختبارات متكررة أمام النفوذ السياسي والضغوط الحزبية، برز موقف قضائي أعاد التذكير بأن القضاء يمكن أن يبقى الحصن الأخير للدولة عندما يتمسك القضاة بواجباتهم وبسلطة القانون. ما جرى في قصر العدل في بيروت في قضية علي برو لم يكن مجرد إجراء قضائي عادي، بل محطة كشفت حجم الضغوط التي يمكن أن تمارس على القضاء، وفي المقابل حجم الشجاعة التي يمكن أن يتحلى بها القضاة عندما يرفضون الخضوع لها.
فبحسب المعطيات المتداولة، تدخلت جهات سياسية نافذة على أكثر من مستوى في محاولة لإخلاء سبيل علي برو. بدأت هذه المحاولات عبر اتصالات ووساطات، قبل أن تتطور إلى حضور وفد من المحامين إلى قصر العدل في بيروت للضغط من أجل التأثير على مسار القضية. غير أن النائب العام في بيروت القاضي رجا حاموش لم يتراجع أمام هذه الضغوط، ومضى في الادعاء على برو، مؤكدًا أن القضاء لا يمكن أن يخضع لإملاءات أو تدخلات مهما كان مصدرها.
لكن اللحظة المفصلية في هذه القضية كانت مع موقف قاضية التحقيق الأول في بيروت القاضية رولا عثمان، التي وجدت نفسها أمام اختبار حقيقي لاستقلال القضاء. فمع تصاعد الضغوط، ووصول وفد يضم محامين ونائبين في البرلمان هما حسين الحاج حسن ورائد برو، بدا واضحًا أن الهدف هو التأثير على القرار القضائي ومحاولة ثني القاضية عن اتخاذ الإجراءات القانونية. إلا أن القاضية عثمان لم تكترث بكل هذه الضغوط، وأصدرت مذكرة توقيف وجاهية بحق برو، في موقف يعكس التزامًا صارمًا بالقانون ورفضًا واضحًا لأي محاولة لترهيب القضاء أو إخضاعه لمنطق النفوذ.
هذا القرار لم يكن مجرد خطوة إجرائية ضمن مسار قضائي، بل رسالة قوية بأن القضاء يمكن أن يبقى مستقلًا حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. ففي بلد يعاني منذ سنوات من محاولات فرض واقع “الدويلة” على حساب مؤسسات الدولة، يصبح موقف قاضٍ يتمسك بالقانون موقفًا وطنيًا بامتياز، لأنه يدافع عن فكرة الدولة نفسها وعن مبدأ المساواة أمام القانون.
وعندما سعى محامو برو إلى استئناف القرار أمام الهيئة الاتهامية في بيروت، التي يرأسها القاضي كمال نصار وتضم المستشارين القاضي رولان الشرتوني والقاضية ماري كريستين عيد، عقدت الهيئة اجتماعًا مطولًا قبل أن تقرر بالإجماع إبقاء برو موقوفًا. هذا القرار أكد أن الموقف لم يكن فرديًا، بل يعكس إرادة قضائية واضحة في حماية استقلال القضاء ورفض إخضاعه للضغوط السياسية.
إن ما قامت به القاضية رولا عثمان يتجاوز حدود هذا الملف القضائي. فهو يشكل نموذجًا للقاضي الذي يتمسك باستقلاليته ويضع القانون فوق كل الاعتبارات الأخرى. وفي زمن يشعر فيه كثير من اللبنانيين بأن مؤسسات الدولة تتعرض لمحاولات إضعاف أو التفاف، يصبح موقف كهذا بارقة أمل تؤكد أن داخل هذه المؤسسات لا يزال هناك من يؤمن بالدولة وبسيادة القانون.
لقد أثبتت القاضية رولا عثمان أن القاضي لا يكون مجرد موظف يطبق النصوص، بل يمكن أن يكون حارسًا لهيبة الدولة ومدافعًا عن استقلال القضاء. ومن هنا فإن موقفها لا يمثل فقط قرارًا قضائيًا في قضية محددة، بل يشكل قدوة لكل من يؤمن بأن القضاء يجب أن يبقى فوق الضغوط السياسية، وأن العدالة لا يمكن أن تُدار بمنطق الترهيب أو النفوذ، بل بمنطق القانون وحده.
حمى الله كل قاضي يؤمن باستقلالية القضاء ويحافظ على نزاهته من كل متآمر .