حين تُغتال الطفولة باسم “الشهادة”

بقلم قمر رشيد – خاص بوابة بيروت

يُعدّ تجنيد الأطفال واحدة من أخطر الممارسات في النزاعات المسلحة، ليس فقط لانتهاكه الصارخ للقانون الدولي، بل لما يخلّفه من تدميرٍ عميق لوعي الأجيال.

فالأمر لا يبدأ عند حمل السلاح، بل قبل ذلك بكثير عند اللحظة التي يُعاد فيها تشكيل وعي الطفل، وتُزرع في ذهنه مفاهيم تمجّد الموت وتربطه بالبطولة والانتماء.

في المجتمعات الطبيعية، الطفولة بداية حياة. أما حين تتدخل الأيديولوجيا المسلحة، فتنحرف هذه البداية عن مسارها، وتتحوّل إلى طريقٍ مختلف تمامًا طريق يُعيد تعريف الحياة، ويختزلها في مشروع موتٍ مؤجّل.

ما يقوم به حزب الله يتجاوز التعبئة السياسية أو الدينية، ليصل إلى عملية منهجية لإعادة تشكيل وعي الأطفال منذ سنواتهم الأولى.

تبدأ هذه العملية بأناشيد وشعارات وصور تمجّد “الشهادة”، حيث يُقدَّم الموت كخيار نبيل، بل كغاية. يُربّى الطفل على أن حياته ليست له، بل “لقضية”، وأن نهايته الطبيعية ليست في بناء مستقبل، بل في ساحة قتال.

تُغرس هذه القناعة داخل بيئة مغلقة ومتكاملة، مدارس، مخيمات، أنشطة، وإعلام موجّه—كلها تعيد إنتاج الرواية نفسها. ومع الوقت، لا يعود الطفل يرى بدائل؛ يصبح الموت “تحقيقًا للذات”، بينما يتحوّل العيش الطبيعي إلى تقصير، وربما خيانة.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الإطار الأيديولوجي المرتبط بشخصيات مثل علي خامنئي، حيث تتحوّل الطاعة إلى عقيدة، ويُقدَّم الولاء كجزء من الإيمان نفسه. هنا لا نتحدث عن قناعة فردية، بل عن عملية طويلة من إعادة التشكيل الذهني، تُنتج مقاتلين قبل أن تُنتج مواطنين.

الأخطر أن إشراك الأطفال أو إعدادهم للقتال ليس فقط انحرافًا أخلاقيًا، بل جريمة حرب.

فتجنيد من هم دون السن القانونية، أو تهيئتهم للانخراط في النزاعات، يُعد انتهاكًا واضحًا للاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل وبروتوكولها المتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة.

السؤال الذي لا يمكن تجاهله، إذا كان التنظيم قويًا كما يدّعي، لماذا يحتاج إلى الأطفال؟

الإجابة الصادمة أن اللجوء إليهم يكشف خللًا عميقًا سواء كان نقصًا في المقاتلين، أو تآكلًا في الحاضنة، أو الاثنين معًا.

حين يصبح الطفل مشروع “شهيد” بدل أن يكون مشروع إنسان، نكون أمام جريمة مزدوجة، جريمة بحق الفرد الذي سُلبت منه حياته قبل أن تبدأ، وجريمة بحق مجتمع يُعاد تشكيله على ثقافة الموت بدل الحياة.

ولعلّ أخطر ما في هذه الممارسة، ليس فقط سرقة طفولة جيلٍ كامل، بل إعادة تعريف الحياة نفسها في وعيه حيث يصبح الموت إنجازًا، والعيش العادي خيانةً صامتة.

ولعلّ السؤال الذي سيبقى، أي نصرٍ هذا الذي يُبنى على أكتاف الأطفال؟ وأي قضيةٍ تلك التي تحتاج إلى طفولةٍ مكسورة كي تستمر؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك