بقلم عقل العويط

كاتب
بدأتُ ديوان “إنجيل شخصيّ” الصادر في العام 2009 بـ”مانيفست لآخر الكون”، كنتُ كتبتُهُ في العام 2001، وقد بدا آنذاك أنّ الزمن هو زمن الجنون القياميّ الشرّير الذي يبشّر بـ”احتلال” العالم.
نحن الآن نعيش في لبنان أقصى تجلّيات ذلك الزمن المتواصل، وهو يمثّل جريمةً مستمرّة ضدّ الحياة نفسها؛ جريمة تبدأ هنا في المنطقة، ولا تكاد تترك مكانًا خارجها. فليس ما يجري محض فوضى عابرة. إنّه شيءٌ أكثر فظاعة: قتلٌ “خلّاقٌ”، بطيءٌ، متسارعٌ، شبه قانونيّ، للزمن نفسه، وتهشيمٌ ممنهجٌ لفكرة أنْ يكون للحياة معنى، أو اتّجاه، أو خاتمة.
المعنى ينسحب من الحياة، وتبقى الحياة وحدها، تمضي بلا مبرّرٍ واضح.
لم تعد الحروب تُعلَن، بل تُدار من داخل جسم العالم نفسه، من خلاياه، ونخاعه الشوكيّ. الخراب ليس حدثًا، بل حالة دائمة.
لقد تحقّقت أسوأ حدوس حنّة أرندت: الشرّ ليس استثناءً، بل وظيفة. يقتل من دون أنْ يعترف بأنّه يقتل، ويدمّر من دون أن يتوقّف ليرى ما دمّره.
هذا عالمٌ يفقد حياءه ومبرّر وجوده، ويتصرّف على هذا الأساس.
الحاضر ليس زمنًا، إنّه حفرة. حفرةٌ تتكدّس فيها الوقائع من دون أن تُرتَّب، أو تُفهَم، أو تُدان. ما يُقال في أعلى الرئاسات والمنابر، وما يُبثّ في أدنى الشاشات، لا يعكس الواقع، بل يبتذله. ما يفعله قَتَلَة العالم، نتنياهو وترامب وبوتين وخامنئي و”حزب الله” والحرس الثوريّ (والآلهة) لا يعكس الواقع، بل يبتذله: يتحوّل الدم إلى محتوى، والكارثة إلى روتين، والإنسان إلى فريسةٍ، هو في الآن نفسه وحشُها الضاري؛ محض مُشاهدٍ مُنهَكٍ ينظر إلى المقتلة من رحم المقبرة الكونيّة.
نحن لا نشهد العالم. نحن نستهلكه. وهو، في المقابل، يستهلكنا. الإنسان يتأكّل نفسه. يصبح كائنًا معلَّقًا، مُرجَأً، مُفرَغًا من القدرة على الحسم. يعيش ما كتبه بيكيت منتظرًا غودو، لكن من دون حتّى براءة العبث الأولى: انتظارٌ لا ينتظر شيئًا، وزمنٌ لا يقود إلى مكان.
أيّ سقوطٍ هذا، حين يفقد الإنسان حتّى قدرته على أن يصرخ؟
أمّا التقنيّة، التي قُدِّمت كخلاص، فصارت شريكةً في الجريمة. لا لأنّها شرّ بذاتها، بل لأنّها تُلغي المسافة بين الحدث ومعناه. هنا يستيقظ تحذير مارتن هايدغر: حذار أنْ يتحوّل الكائن، وكلّ شيء، إلى “مخزون جاهز للاستعمال”، فيصبح مادّةً قابلةً للاستهلاك، ويفقد حقّه في أنْ يكون.
إنّ ما يحدث ليس عبثًا، بالمعنى الذي قصده كامو. العبث عنده كان شرف المواجهة بين الإنسان والمعنى الغائب. أمّا اليوم، فلا مواجهة أصلًا. هناك انسحابٌ شامل، صمتٌ مغطّى بضجيج الدم، وتواطؤٌ كونيّ على الاستمرار كما لو أنّ شيئًا لا يستحقّ التوقّف عنده.
العالم لا ينهار. العالم يُدار وهو ينهار. فقط يُستعمَل، ويُختَزل وجوده إلى وظيفة. هذا ما يفعله بنا “آلهة” هذا العالم. سحقًا لهم!
وها هنا تكمن الفضيحة الأخلاقيّة الكبرى: لم نعد نخطئ، بل نعيش داخل الخطأ كأنّه النظام الطبيعيّ للأشياء. لم تعد الكارثة تُدين أحدًا، بل تمرّ، تُستهلَك، وتُنسى. الإنسانيّة فقدت ليس إنسانيّتها فحسب، بل قدرتها على الإدانة.
كتب إليوت: “هكذا ينتهي العالم… ليس بانفجار، بل بأنين.” لكنّ هذا الأنين يطول، يتمدّد، ويتحوّل إلى نظام حياة.
المأساة ليست أنّ “نبوءة” “مانيفست لآخر الكون” تقترب من حال التحقّق الكامل، بل أنّ العالم تعلّم كيف يواصل السقوط، من دون أن يشعر بأنّ عليه أن يتوقّف، أو يخجل.
الأنين يملأ لبنان. من واجبنا أنْ نرفع الأنين عن لبنان. يجب ألّا نستسلم. يا “آلهة” الجنون القياميّ الشرّير، سحقًا لكم.