نعيم قاسم صهيوني…!؟

خاص بوابة بيروت

اتهامٌ واحد قد يكون كفيلًا بإسقاط سمعة، تشويه مسار، وتفخيخ مجتمع بأكمله. تهمة “الصهيونية” ليست مجرّد توصيف سياسي عابر، بل سلاح لغوي شديد الحدّة، يُستخدم لتجريد الخصم من شرعيته الوطنية والأخلاقية، وتحويله في نظر الرأي العام إلى “عدو داخلي” يستحق الإقصاء وربما أكثر.

خطورة هذا الاتهام تتضاعف حين يُوجَّه إلى رجل دولة يمارس صلاحياته الدستورية ويرأس حكومة شرعية، والأخطر حين يصدر عن ممثل داخل مجلس الوزراء نفسه، أي من داخل بنية السلطة التي يُفترض أن تقوم على التضامن لا على التخوين.

سياق كهذا يكشف خللًا بنيويًا يتجاوز السياسة إلى علم النفس السياسي. في التحليل العلمي، يمكن قراءة هذا السلوك ضمن آليات “الإسقاط” و”التنافر المعرفي”. الإسقاط يعني أن ينسب الفرد إلى غيره ما يعجز عن مواجهته في ذاته أو في سلوكه، أما التنافر المعرفي فينشأ عندما تتصادم القناعات مع الوقائع، فيلجأ الشخص إلى إعادة تفسير الواقع عبر شعارات تبسيطية تريحه نفسيًا.

إن اتهام رئيس حكومة شرعية بالخيانة، بينما يُفترض التعاون معه داخل مجلس واحد، يكشف هذا التناقض الصارخ، عجز عن التوفيق بين موقع رسمي يفرض المسؤولية، وخطاب شعبوي يستدعي التخوين.

سياسيًا، هذا النمط من الاتهام يفتح الباب أمام أخطر أشكال التفكك. الدولة تتحول من إطار جامع إلى ساحة صراع رمزي، تُستبدل فيها المؤسسات بالولاءات، ويُعاد تعريف الوطنية وفق ميزان القوى لا وفق الدستور. عندما يصبح التخوين أداة يومية، يفقد الخطاب العام معاييره، وتُصبح الحقيقة نفسها موضع شك، لأن الضجيج يغلب البرهان، والشعار يطغى على الوقائع.

أما على المستوى الإجتماعي، فالأثر أكثر عمقًا وخطورة. المجتمعات التي تُغذّى على فكرة “العدو الداخلي” تدخل في حالة استنفار دائم، حيث يُعاد توجيه الغضب الشعبي بعيدًا عن التحديات الحقيقية.

هنا يظهر البعد الأخطر، صناعة عدو وهمي لصرف النظر عن عدو فعلي. في الحالة اللبنانية، يتجسد هذا الانحراف عندما يُتهم مسؤول بمحاولة حماية الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، بينما يُغضّ النظر عن واقع اعتداءات مستمرة على جنوب لبنان الحبيب، حيث يُقتل المدنيون وتُخرق السيادة بلا رادع.

الشعارات في هذا السياق ليست بريئة. علم الاجتماع السياسي يوضح كيف تُستخدم اللغة لتشكيل الوعي الجماعي. عندما تُختزل القضايا المعقدة بكلمة واحدة مثل “صهيوني”، يتم تعطيل التفكير النقدي، ويُدفع الناس إلى الاصطفاف العاطفي بدل التحليل العقلاني. هكذا تُقاد الشعوب، عبر تبسيط مخلّ، وتخويف ممنهج، وتوجيه مقصود للغضب.

المفارقة القاسية أن من يطلق هذه الاتهامات قد يكون جزءًا من منظومة تستفيد من الفوضى أكثر مما تستفيد من قيام الدولة. لأن الدولة، بطبيعتها، تفرض المحاسبة، بينما الفوضى تتيح الإفلات. لذلك يصبح ضرب الشرعية هدفًا بحد ذاته، لا مجرد وسيلة.

أسئلة تفرض نفسها أمام هذا المشهد

كيف يمكن لوزير أن يتهم رئيس حكومته بالخيانة وهو شريك في السلطة نفسها؟

أي منطق يسمح بتخوين من يلتزم بالدستور، وتبرئة من يتجاوزه؟

من المستفيد من تحويل الصراع من مواجهة عدو خارجي إلى نزاع داخلي؟

هل تُبنى الأوطان بالشعارات أم بالمؤسسات؟

من الذي يخاف من قيام دولة قوية قادرة على فرض سيادتها؟

وأخيرًا، سؤال لا يمكن الهروب منه، من هو الصهيوني حقًا؟

هل هو من يتلقى الدعم والتمويل من نظام مأزوم يسعى لتوسيع نفوذه على حساب دم الشعوب العربية، أم من يحاول حماية شعبه عبر إعادة بناء الدولة وفرض سيادتها على كامل أراضيها؟

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com