لبنانُ بين فصل المسارات وكَسر التنميط…

التصريحُ الذي هزَّ المشهدَ الدبلوماسي

خاص بوابة بيروت

جاء تصريحُ وزيرِ الدفاعِ الباكستاني خواجة آصف شديدَ اللهجة، إذ قال: «إسرائيلُ شرٌّ ولعنةٌ للبشريّة، وبينما تُجرى محادثاتُ سلامٍ في إسلام آباد، تُرتكبُ إبادةٌ جماعيّةٌ في لبنان».

وأضاف أنّ «مدنيّين أبرياء يُقتلون على يد إسرائيل، أوّلًا في غزّة، ثمّ في إيران، والآن في لبنان، وأنّ سفكَ الدّماءِ مستمرٌّ بلا توقّف. كما أعرب عن أمله، ودعوته، بأن «يحترق الأشخاصُ الذين أنشأوا هذه “الدولة” السرطانيّة على الأرض الفلسطينيّة للتخلّص من اليهود الأوروبيّين في جهنّم».

وليس هذا التصعيدُ اللفظيُّ سابقةً في تاريخ المنطقة؛ فقد سبقتْهُ مواقفُ مشابهةٌ في مراحل احتدام النزاعات، كما حدث إبّان حرب غزّة 2008 حين ارتفعت حدّة الخطاب السياسي في عددٍ من العواصم الإسلاميّة، ما عكس حجمَ الاحتقان الشعبي والرسمي على السواء.

لبنانُ يحترق… ومساراتُ التفاوض تتشابك

مفاوضاتٌ تحتَ النّار: لبنانُ يحترق، إيرانُ تفاوض، وباكستانُ تُصعّد موقفَها. أمّا الولاياتُ المتّحدةُ الأميركيّة، فترسل نائبَ رئيسٍ معروفًا ببراغماتيّتِه، في خطوةٍ تعكس تقليدًا أميركيًّا في إدارة الأزمات عبر شخصيّاتٍ تجمع بين الواقعيّة السياسيّة والخلفيّة الأمنيّة، على غرار أدوارٍ سابقةٍ أدّتها واشنطن في مفاوضات دايتون أو في الاتّفاق النوويّ الإيراني.

في موازاة ذلك، بدأ مسارُ تواصلٍ دبلوماسيٌّ بين سفيرة لبنان، وسفير إسرائيل، والسفير الأميركي في لبنان، وموفدي وزارة الخارجيّة الأميركيّة، للبحث في تفاصيل لقاء الثلاثاء المرتقب. وهو مشهدٌ يذكّر بمسار الاتّصالات غير المباشرة التي مهّدت لاتّفاق ترسيم الحدود البحريّة عام 2022، حين سبقت الدبلوماسيّة الهادئة الإعلان الرسميّ.

ضغطُ الشارع… وسابقةُ الاعتراض أمام السراي

صحيحٌ أنّ الاتّصالاتِ ساريةٌ، لكنّ ذلك لا ينبئ بأنّ مسارَ التفاوضِ سيكون سهلًا، ولا سيّما أنّ المسيّراتِ الإسرائيليّة لا تزال فوق سماءِ بيروت، بعد أن استعرضت منظّمة حزب الله بعضَ عناصرها أمام السراي الحكوميّ وفي بعض شوارع العاصمة، متّهمةً رئيسَ الحكومة اتّهاماتٍ مردودُها إلى البيئة التي كانت تحضنها، صارخةً: «صهيونيّ، صهيونيّ، نواف سلام صهيونيّ».

ليست المرّة الأولى التي يشهد فيها محيطُ السراي الحكوميّ تحرّكاتٍ احتجاجيّة ذات طابعٍ سياسيّ ضاغط، فقد شهدت بيروت اعتصاماتٍ مشابهةً خلال أزمة 2006–2008، حين تحوّل الشارع إلى أداة ضغطٍ موازيةٍ للمفاوضات السياسيّة.

رئيسُ الحكومة بين قرار الدولة وحملة التخوين

في المقابل، برز رئيسُ الحكومة رجلَ دولةٍ بامتياز، إذ تجرّأ على اتّخاذ قراراتٍ لم يتّخذها أسلافُه، الأمرُ الذي أثار حفيظةَ منظّمة حزب الله، فبدأت حملةُ تخوينٍ مرفوضةٌ جملةً وتفصيلًا، في ظلّ وجود وزيرين لها في الحكومة، متموضعَين في موقعٍ ملتبسٍ بين المشاركة والاعتراض، إلى حدّ التمرّد، في محاولةٍ لزعزعة الاستقرار الحكوميّ والسياسيّ، ظنًّا منهما أنّهما قد يُحبطان عزيمةَ رئيس الحكومة والحكومة معه.

وقد شهد لبنان سوابقَ مماثلةً حين اصطدمت قرارات السلطة التنفيذيّة بموازين القوى الداخليّة، كما حصل عقب صدور القرار 1559 عام 2004، حين انقسم المشهد السياسي بين من اعتبره مسارًا سياديًّا ومن رآه استهدافًا سياسيًّا.

سقوطُ رهاناتِ الربط بين الملفَّين اللبنانيّ والإيرانيّ

لكنّ وقوفَ معظم الشعب اللبناني مع حكمة رئيس الحكومة أسقط هذه المخطّطات بأكملها، التي كانت تهدف، بحسب المعطيات المسرَّبة، إلى ربط الملف اللبناني بالملف الإيراني، بما يسمح باستخدام الساحة اللبنانية ورقةَ ضغطٍ في المفاوضات مع الولايات المتحدة.

وقد شهدت المنطقة مرارًا محاولاتٍ لربط المسارات التفاوضيّة، كما جرى خلال مفاوضات الملف النووي الإيراني، حين استُخدمت أوراقٌ إقليميّة متعدّدة لتحسين شروط التفاوض، الأمر الذي جعل فصل المسارات هدفًا استراتيجيًّا للقوى الدوليّة المعنيّة.

كما أنّ ورقة النفط والضغط عبر مضيق هرمز شكّلت تاريخيًّا عنصر ابتزازٍ جيوسياسيّ، كما حدث خلال أزمة الناقلات عام 2019، غير أنّ تكرار استخدامها قد يجعلها تفقد فعاليتَها، بل قد تتحوّل إلى المسمار الأخير الذي يُدقّ في نعش النظام الايراني إذا أدّى التصعيد إلى عزلةٍ دوليّةٍ أوسع.

ثلاثةُ سيناريوهاتٍ على طاولة المرحلة المقبلة أمام هذه الوقائع، تلوح ثلاثةُ سيناريوهاتٍ في الأفق:

1. اتّفاقُ سلامٍ واضحُ البنود

يشبه في نتائجه اتّفاقاتٍ أنهت نزاعاتٍ طويلة، كما حدث في اتّفاق كامب ديفيد، حيث حُسمت قضايا أساسيّة دفعةً واحدة.

2. هدنةٌ طويلةُ الأمد

تؤمّن الاستقرار تمهيدًا لمسارٍ أبعد، على غرار تفاهم نيسان 1996 الذي أرسى قواعد اشتباكٍ استمرّت سنوات.

3. تسويةٌ سياسيّةٌ مرحليّة

تُفضي إلى استئناف المسار الاقتصادي العالمي من جهة، وتنهي الحرب السرمديّة من لبنان على إسرائيل من جهةٍ ثانية، وقد تكون البوابة الاقتصاديّة في جنوب لبنان أحد مفاتيحها، كما حصل في تجارب مناطق حدوديّة تحوّلت من خطوط تماسٍ إلى ممرّات تبادلٍ اقتصادي وفقًا لما طرحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

فيما يبدو الطرح الثالث الأقرب إلى التنفيذ لأنّه يعفي الدول من دفع أموال معروف بأنّ سجّان المجلس ومحلسه الخاص يتلهّفون للهفها. وهذا سيحوّل المنطقة الحدودية الى واحة استثمارية منتجة بذاتها لذاتها.

وقفُ النار… مؤجَّلٌ إلى حين تغيّر ميزان المكاسب

وسط ذلك كلّه، لن تعلن إسرائيل وقفًا شاملًا لإطلاق النار في المدى المنظور، وسيبقى لبنان عرضةً لأيّ استهداف، إذا ما استطاعت إسرائيل تحقيق خرقٍ استخباراتيٍّ يرفع رصيدَها في المزيد من الاغتيالات التي تطال أركان منظّمة حزب الله، كما درجت عليه في مراحل سابقة حين اعتبرت الضربات النوعيّة وسيلةً لتحسين شروط التفاوض قبل الانتقال إلى التسويات الكبرى.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com