المفاوضات خدمة للنظام في إيران

خاص بوابة بيروت

لا يمكن التصوّر بأن الشروط السبعة التي وضعها مجتبى خامنئي ردًّا على المقترح الأميركي، والتي اعتبرها النظام، وعلى لسان رئيس لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان الإيراني محمد صالح جوكار، تمثّل “خطًّا أحمر” في أي مفاوضات محتملة مع الولايات المتحدة، تختلف في جوهرها عن الشروط التسعة عشر التي وضعها قبله علي خامنئي في الأيام الأخيرة من المفاوضات التي أعقبت إعلان الاتفاق النووي عام 2015، كخطوطٍ حمراء للموافقة على الاتفاق.

وكما أنّ النظام الإيراني مغرمٌ بإثارة الحروب والأزمات ويستخدمها لتحقيق أهدافه، فإنّه مولعٌ أيضًا بالمفاوضات، وهي بالنسبة إليه تشبه الحروب التي يثيرها، لأنّها حقّقت له طوال الأعوام الماضية أهدافًا استراتيجية. ولأنّ دونالد ترامب يختلف عن أسلافه بكونه أكثر حزمًا في التعامل معه، فإنّ النظام يسعى إلى إظهار تصلّب غير مسبوق، من أجل جعل هذا التشدّد أساسًا للمناورة والمراوغة بهدف تليين الموقف الأميركي وجعله أقرب إلى ما يريده ويسعى إليه.

ولو قمنا بمراجعة معظم جولات التفاوض مع النظام الإيراني بشأن برنامجه النووي منذ عام 2003 وحتى اتفاق 2015، لوجدنا أنّ النظام كان المستفيد الأكبر منها، بل إنّ هذه المفاوضات خدمته كثيرًا وساهمت في منحه المزيد من أسباب القوّة وبسط النفوذ والهيمنة في المنطقة، فضلًا عن التمادي في ممارساته القمعية بحق الشعب الإيراني. ويعود ذلك أساسًا إلى أنّه يسعى دائمًا إلى جعل السياق العام للمفاوضات الدولية في خدمة مخطّطاته وسياساته، فهو لا يعطي بقدر ما يأخذ، وحتى ما يقدّمه يسعى إلى استعادته بطرقٍ وأساليب يجيد استخدامها.

ويعلم قادة النظام الإيراني مدى خطورة وحساسية الأوضاع التي يواجهونها، كما يدركون أنّ الخطر الداهم الذي ينتظرهم يتفاقم أكثر، لأنّ هذه الأوضاع تعمل بصورة واضحة على مضاعفة الغضب الشعبي ضد النظام، وتعزيز العزم والإصرار على إسقاطه، فضلًا عن توسيع دائرة نشاطات وحدات المقاومة وتحفيز الشباب الإيراني على الانضمام إليها لاستعادة بلدهم من قبضة الدكتاتورية الدينية. ولذلك، فإنّهم يدركون جيدًا أنّ خروجهم من المفاوضات من دون مكاسب ملموسة يعني أنّهم سيجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع انفجار الغضب الشعبي.

ولا شكّ أنّ الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، باتت تعرف جيدًا النوايا الخفية للنظام الإيراني من وراء جلوسه إلى طاولة التفاوض، وعزمه على عدم تلبية المطالب الدولية بقدر ما يسعى إلى المناورة والمراوغة لإجهاد الطرف المقابل. لكن ما يلفت النظر أكثر هو أنّ الولايات المتحدة والدول الغربية لا تزال، بحسب الكاتب، غير مدركة بما يكفي أنّ جلسات التفاوض والتواصل مع هذا النظام تشبه الحروب التي يثيرها أو يتعرّض لها، إذ توفّر له مساحة إضافية للبقاء، خصوصًا أنّه يعلم جيدًا أنّ الحروب أو المفاوضات لن تُسقطه، بل قد تمنحه نوعًا من الشرعية للاستمرار.

وهذا ما كانت قد أشارت إليه مريم رجوي عندما أكدت أنّ الحروب والتواصل مع النظام الإيراني لن يؤدّيا إلى إسقاطه، بل إنّ الشعب الإيراني هو من سيفعل ذلك، معتبرةً أنّ هذه الحقيقة يجب أن تدفع العالم إلى تغيير طريقة تعامله مع النظام، والإدراك بأنّ الشعب الإيراني والمقاومة المنظّمة هما القادران على حسم المعركة معه.

وفي هذا السياق، يستعدّ أنصار المقاومة الإيرانية لتنظيم تظاهرة واسعة يوم السبت الموافق 20 حزيران من العام الجاري. ويُعدّ أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين، بحسب بيان اللجنة المنظّمة، وضع حدٍّ لسياسة المهادنة والاسترضاء تجاه نظام “ولاية الفقيه”، والاعتراف بالبديل الديمقراطي للشعب الإيراني، المتمثّل في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية.

وترى المعارضة الإيرانية أنّ هذه الخطوة من شأنها أن تُسهم في تخليص المنطقة، بل والعالم، من أخطار نظامٍ توسّعي يصنع الأزمات، ويفتح الباب أمام ترسيخ أسس السلام والأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك