
كاتب
صوت مُزارِعة من جبل عامل يخرق الصمت العمالي في عيد العمال
بقلم غسان صليبي
لفتني احتفالان أقيما بمناسبة عيد العمال: احتفال في معراب بدعوة من حزب القوات اللبنانية، واحتفال في مسرح المدينة بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني. مفارقات عدة تسترعي الانتباه عند التدقيق في شكل ومضمون الاحتفالين.
أولاً: الاحتفالان من تنظيم حزبين؛ حزب “يميني” هو القوات، وحزب “يساري” هو الشيوعي. بالمقابل لم ينظم الاتحاد العمالي العام أي احتفال في المناسبة. الهامشية النقابية تجسدت اكثر في غياب ممثل عن النقابات في ندوة الاحتفال التي نظمتها القوات وشارك فيها نائب قواتي ووزير سابق وباحث في الشؤون الاقتصادية والمالية، رغم حضور رئيس الاتحاد العمالي العام للاحتفال. في حين أن احتفال الشيوعي، الذي تخللته كلمات أبرزها كلمة أمين عام الحزب، لم يخلُ من كلمة لرئيس الاتحاد الوطني للنقابات، وهو شيوعي من اعضاء الحزب. غير ان الهامشية ليست أقل وطأة في هذه الحالة لأن المناسبة هي عيد العمال، والأولوية هي بالتالي لممثليهم النقابيين الذين كان من المفترض أن ينظموا هم الاحتفال.
ثانياً: تهميش النقابات في لبنان ظاهرة عامة نتجت عن الهيمنة عليها من قبل الأحزاب السياسية، لكنه يكتسب بعدا خاصا عند الطرفين المعنيين. عند الأحزاب المسيحية بشكل عام لا تحتل القضايا العمالية والنقابية مكانة مرموقة في عقائدها وسياساتها. بعضهم يرى في ذلك انعكاساً لكونها أحزاباً مصنفة يمينية على المستوى الاقتصادي- الاجتماعي، والبعض الآخر يعتقد أن هذا الموقف اليميني هو في اساسه سياسي، نظراً لانحياز الأحزاب اليسارية إلى المسلمين ابان حرب ال٧٥، وانحيازي الشيوعي اليوم الى حزب الله، في إطار الصراع بين الطوائف في لبنان. مع البابا ليون الرابع عشر ومن قبله البابا فرنسيس، هناك فرصة أمام الأحزاب المسيحية لبلورة رؤية عمالية ونقابية مستقلة عن العقائد الشيوعية ومستوحاة من تعاليم الكنيسة الداعمة للعمال والنقابات، بدل التقوقع في موقفها كردة فعل على الأحزاب اليسارية.
أما مسألة تهميش النقابات عند الحزب الشيوعي فمختلفة في طبيعتها؛ فرغم أن عقيدته عمالية – طبقية، فإنه بالممارسة وبتأثير من الاتجاه اللينيني، يستتبع النقابات لقراراته. فالحزب بحسب لينين، هو من يمد العمال بوعيهم الطبقي والاشتراكي، وعليه بالتالي أن يقود توجهات النقابات. وهذا جليّ في علاقة الحزب الشيوعي بالاتحاد الوطني للنقابات ذي العضوية الشيوعية. وقد اختبرنا في السابق أنه عندما خالفت قيادة هذا الاتحاد، ممثلة في حينه بـ أديب أبو حبيب وإسماعيل بدران، سياسته، طُردا من الحزب.
ثالثاً: المفارقة الكبرى هي في عنوانَي الاحتفالين. ففي حين كان من المتوقع أن يكون عنوان احتفال الشيوعي ذا مدلول “أكثر طبقية” من احتفال القوات، جاء الواقع معاكساً تماماً. عنونت القوات احتفالها على الشكل التالي: «عمال لبنان: صمود بين الحرب والانهيار». فيما عنون الشيوعي احتفاله بجملة أطول، على ما اعتادت الأحزاب اليسارية: «تحية لشهداء شعبنا في مواجهة الاحتلال والعدوان الصهيوني والدفاع عن حقوق العمال والقطاعات المهنية».
في العنوان الأول تركيز على العمال، وفي الثاني تركيز على الشهداء في مواجهة العدوان الصهيوني. في العنوان الأول نفهم تلقائياً أننا نحيي مناسبة عمالية، أما في العنوان الثاني فكأننا نستخدم المناسبة للكلام عن مواجهة الاحتلال، وإن أضيفَ إليها الدفاع عن حقوق العمال. مرة جديدة يتم إعطاء “التناقض الرئيسي” مع الخارج الأولوية على حساب “التناقض الثانوي” في الداخل….حتى في عيد العمال الذي يزورنا مرة واحدة في السنة!
عنوان احتفال القوات يحيلك مباشرة الى معاناة العمال نتيجة عاملي الحرب والانهيار الاقتصادي. بينما في عنوان احتفال الشيوعي تتعاطف مع شهداء شعبنا في مواجهة الاحتلال. لا تماهي مع العمال في معاناتهم الاجتماعية من الحرب والانهيار كما في عنوان احتفال القوات. حتى في الوقفة التي نظمها الاتحاد الوطني للنقابات بعد الاحتفال، نقرأ أنها «في وجه العدوان والقتل والتدمير… ومنطلقاً لتعزيز الوحدة الوطنية ضد العدوان والفتنة»، ويأتي بعد ذلك «تفعيل دور الحركة النقابية الديمقراطية» والمطالب العمالية. “الوطني” يأتي قبل “الطبقي”، حتى في عيد العمال.
قد يكون الفرق بين العنوانين، نتيجة للموقف من الحرب عند الحزبين، اكثر مما هو موقف من العمال : فالقوات ضدها فيما الشيوعي يدعم احد أطرافها. لكن ماذا عن موقف العمال أنفسهم من هذه الحرب؟ معظم عمال لبنان مثل معظم مواطنيه هم ضد الحرب، وضد سياسات حزب الله. وهذا افدح ما يتنكر له من المنظور الطبقي، من يعتبر نفسه “حزب الطبقة العاملة”. لعل هذه المفارقة التاريخية الصارخة تدعو الحزب الشيوعي الى مراجعة مواقفه وتحليلاته. الا اذا استسهل منظرو الحزب الرد على هذا النقد ان معظم العمال ينقصهم الوعي حول مصلحتهم، هذا الوعي الذي يمتلكه الحزب وحده، بفتوى من لينين.
ينسحب ذلك على موقف الشيوعي من الازمة الاقتصادية- الاجتماعية. فبعد ان كان التركيز على عامل الحرب في عنوان احتفاله وفي كلماته، يغيب هذا العامل فجأة عن بال الشيوعيين كسبب من أسباب الانهيار، وتحل محله “التبعية والسياسات الاقتصادية الظالمة للدولة”. فعندما انتقد أمين عام الحزب الشيوعي الحكومة في كلمته، لأنها تقاعست عن دفع ما أقرته لأجراء القطاع العام، ابتداءً من الأول من آذار، لم يتطرق إلى تأثير الحرب على ذلك، والتي بدأت فعلياً في 2 آذار، اي يوم واحد بعد الاستحقاق، ما أدى إلى تراجع مداخيل الدولة من 30 إلى 40% في شهر واحد. ربما لأن تصويب الشيوعي على تأثيرات الحرب لا يطال إسرائيل فقط بل حزب الله أيضاً، وهذا ما يتفاداه، مع ان امين عام الشيوعي انتقد توقيت هذه الحرب انتقاما للخامنئي. طبعاً هذا ليس التناقض الوحيد في أدبيات الحزب الشيوعي أو ما بات يُعرف ب”اليسار الممانع.”
بعد يوم أو يومين على احتفالات عيد العمال خرق الصمت العمالي- النقابي صوت مزارعة التبغ فاديا حناوي التي هُدم بيتها وتحدثت عن معاناة النزوح من الجنوب، فقالت: «والله أنا بعرف، اللي بدّه يعمل حرب بدّه يقدّملنا… لأنه هيدي مش عيشة… والله العظيم ملّيت، لو بتجي باخرة بتاخدني على آخر الدنيا بروح… نحنا مزارعو دخان إلنا ١٢- ١٣ سنة عم نزرع حتى عملنا بيت وبلمحة بصر أخدولنا البيت…عم نعاني كتير وما حدا عم يسأل عنا».
الحاجة فاديا لا تحتاج إلى توعية من الحزب الشيوعي؛ هي تعرف أكثر مما هو يعرف، من خلال حسّها العملي، أن الذي يبادر إلى الحرب، أي حزب الله، عليه أن يتحمل المسؤولية ويقدّم الدعم اللازم للذين تضرروا من فعلته. هكذا يقول المنطق العملي السليم. وهي، كعاملة، غير معنية بتنظيرات شيوعيين من الطبقة الوسطى العليا وما فوق حول مسؤولية إسرائيل عما حصل لها؛ فهناك مسؤولية مباشرة يتحملها أيضا طرف داخلي، وهي تطال تحديدا المسألة الاقتصادية- الاجتماعية، التي يبني عليها الشيوعي سردياته العقائدية.
الحاجة فاديا، وفق ما يبدو، لم تعد تعنيها نصائح حزب الله بضرورة “الصمود” وبأن عليها أن “تساهم” في دفع تكاليف حربه مع إسرائيل، بحسب ما أفتى لها وللنازحين الشيخ نعيم قاسم. فهي “ملّت”، أي تعبت إلى حدّ عدم القدرة على احتمال المزيد، ولم تعد تتمنى إلا أن تأتي باخرة وتأخذها إلى آخر الدنيا، وليس إلى الآخرة، كما يفترض حزب الله.
هذا الصوت العمالي لَقي هجوماً وتأنيباً من بعض أبناء وبنات «بيئة المقاومة». لا أعرف كيف تلقّى صرختَها رئيس نقابة مزارعي التبغ والتنباك في الجنوب، وهو في الوقت نفسه نائب رئيس الاتحاد العمالي العام، ومن حركة أمل.
صرخة المزارعة الجنوبية، تذكّرنا بالتكاليف الاجتماعية- الاقتصادية للحروب، وبعدم جواز التضحية بها عشوائيا من أجل أهداف سياسية – عسكرية، تستفيد منها القوى السياسية- العسكرية ويدفع ثمنها المدنيون العزّل وفي طليعتهم العمال، الذين نتعلم من نضالاتهم، ان الإضراب يُخاض بعد حسابات دقيقة تأخذ بعين الاعتبار مصالحهم وقدرتهم على الاستمرار في الضغط، حتى يحين وقت المفاوضة، عندما تصبح ضرورية، لقطف ثمار الاضراب- اذا نجح- او للتخفيف من نتائجه السلبية عليهم، اذا فشل.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير