
مدير التحرير
مذكّرة تفاهم من صفحة واحدة قد تغيّر العالم
خاص بوابة بيروت
الولايات المتّحدة تسعى لاتّفاقٍ عادلٍ وشاملٍ على وقع التلويح بقصفٍ عالٍ جدًّا إذا رفضت إيران المقترحات الأميركيّة. فيما جهدت الوسائل الإعلامية الإيرانية بإظهار تجميد “مشروع الحرّيّة” على أنّه انكسارٌ للرئيس ترامب.
بين الضغط الأميركي والتحوّل الإيراني، ووصول كاسحات الألغام الألمانية إلى مضيق هرمز لفتح المضيق وحمايته بالقوّة، يرزح لبنان بين فكّيّ التفاوض بعدما تمّ تحديد “العدو المشترَك” كما تصفه الديبلوماسية الأميركية بتصنيفها لمنظّمة “حزب الله”، حيث نجحت بإخراج العداوة من الهامش اللبناني “الإسرائيلي” الحكومي لتضعها في حاضنة “حزب الله” فقط.
تغيير قواعد الاشتباك وانكشاف الكماشة الجغرافيّة
وفي تطوّرٍ لافتٍ أمس، نفّذ جيش العدو الإسرائيلي بالتنسيق مع الجانب الأميركي، عمليّة اغتيالٍ في قلب الضاحية لقائدٍ في قوّة الرضوان، ليصدر عن مصدرٍ إسرائيلي عقب عمليّة الاغتيال هذه، أنّ “إسرائيل” لن توفّر أيّ فرصةٍ لتنفيذ أيّ عمليّةٍ مشابهة. عمليًّا سقطت الهدنة. فعليًّا على أرض الواقع، يبدو أنّ جيش العدو الإسرائيلي سيقدم على كمّاشةٍ جديدة. لمن يعرف الجغرافية الجنوبيّة، فإنّ الاستهدافات نزولًا من النبطية حتى منطقة الزهراني، تنبئ بأنّ جيش العدو الإسرائيلي يحضّر كمّاشةً ما بين شمال الليطاني وجنوب الزهراني. وهكذا يكون قد أقفل الجنوب بعد الإطباق على هذه البقعة من الأرض.
هذه المؤشّرات تفيد بأنّ لبنان دخل في مرحلتين بالتواز
“مرحلة رسميّة” ليكون فيها الطبق الأدسم على طاولة المفاوضات إن كُتب لها النجاح. وهذه المرحلة تعتمد على اللقاء بين نتانياهو والرئيس عون الذي يطلبه بإلحاح الرئيس ترامب، وسط حديثٍ عن توسيع الوفد المفاوض ليشمل عسكريًّا، إضافةً إلى وجود السفير سيمون كرم.
“مرحلة ميدانيّة” يستكمل فيها جيش العدو الإسرائيلي ما يريده أساسًا، أي الإجهاز بشكلٍ كلّيّ على منظومة “حزب الله” المسلّحة بعدما بات مقتنعًا، والأميركي معه، بأنّ هذه المهمّة بالنسبة إلى الحكومة اللبنانية هي “Mission Impossible”.
من سرديّةٍ قاهرةٍ إلى واقعٍ قهريّ
هذا الواقع الدراماتيكي الذي باتت فيه منظّمة “حزب الله”، من خلال انهيارها سياسيًّا ومعنويًّا بعدما تمّ إسقاط سرديّة السلاح القاهر لتتحوّل إلى سرديّةٍ قهريّةٍ لبيئة المنظّمة التي احتضنتها طوال أربعة عقود. وحتى الجمهوريّة الإسلامية في إيران لم تعد تعتبر منظّمة “حزب الله” لاعبًا إقليميًّا صاعدًا بعد سقوط تلك المنظومة التي بنتها طوال هذه السنوات، بل أضحت منظّمة “حزب الله” عبئًا تفاوضيًّا على طهران نفسها. وقد يكون عنوانًا بارزًا في مذكّرة التفاهم الأميركيّة “الإيرانيّة” التي بدأ الحديث عنها. لكن هل تغيير قواعد الاشتباك بعد عمليّة الضاحية أمس قد يطيح بهذه “البروفا” التفاوضيّة غير المكتملة؟
ووسط هذا التخبّط اليومي في لبنان أولًا وحتى في الولايات المتّحدة، عادت بعض الأصوات لتسوّق لمقولة استبدال عنجر بعوكر، في تشبيهٍ مرفوضٍ جملةً وتفصيلًا. عنجر التي كانت تقتل، وتأسر، وتشكّل حكوماتٍ على قصاصة كيس الباطون الورقيّة، لا تُقارن مع عوكر التي تبني عبر كلّ الجمعيّات غير الحكومية التي تستفيد منها الدولة اللبنانيّة قاطبةً، ولقد كان للجنوب اللبناني حصّة الأسد من هذه المساعدات. وعوكر هي التي تحمي، على الأقلّ حتى الساعة، المرافق العامّة، وأبرزها مطار بيروت. لذلك المقاربة ساقطة ولا تجوز.
لا خيارَ ثالثَ
لبنان الذي كان منصّة اشتباكٍ إقليميّ، يتحوّل الآن إلى ساحة إعادة رسم خرائط النفوذ. وهو أمام فرصةٍ جديدةٍ لأن يستقلّ قطار السلام بالقوّة بعدما كان يملك في الماضي قوّة السلام وخسرها لحساباتٍ داخليةٍ وإقليميّةٍ قاتلة. وهذا ما سيمكّن لبنان من أن يستعيد هويّته الوطنيّة بعدما فقدها لعقودٍ بحكم تحوّله إلى صندوق بريدٍ للرسائل الدمويّة في الإقليم.
وتيرة التغيير أسرع ممّا تصوّره بعضهم. ولقد استشرفنا ذلك بعد الأسبوع الأول من أحداث السابع من أكتوبر 2023، فلبنان لا يملك الخيار الثالث، بل هو أمام خيارين، إمّا السلام وإمّا التحلّل. وهذا التحلّل سيكون نتيجة فكّ العقد الاجتماعي اللبناني بفعل التعنّت الذي ما زالت تمارسه منظّمة “حزب الله”. وهنا الخطورة الأكبر في كلّ ما يحدث. ولعلّ هذا ما عبّر عنه بعضهم بخروجٍ جماعيٍّ لقسمٍ كبيرٍ من المكوّن الحضاري الشيعي من التركيبة اللبنانيّة وصولًا إلى خروجه من الجغرافية اللبنانيّة، محاكاةً للواقع الجديد الذي تسببت به بصواريخه الستّة.
من ورقة تفاهم مار مخايل التي تمّ بواسطتها بيع لبنان الدولة لصالح محور إيران، ممثّلًا بمنظّمة “حزب الله”، إلى ورقة تفاهم أميركية “إيرانيّة” قد يتمّ فيها بيع “حزب الله” بحدّ ذاته، لكن من دون أيّ ثمنٍ لأنّه فقد قيمته، بعدما فقد علّة وجوده، أي محاربة “إسرائيل”. فقدها بفقدانه للقدرة القتالية، وسيفقدها بعدما ستتحوّل “إسرائيل” من حالة العداء إلى حالة اللا عداء، بانتظار حكمة فخامة رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة العماد جوزاف عون وقراره. فهل أصبح لبنان بندًا أساسيًّا في إعادة هندسة المنطقة؟
العفو العام في زمن الانهيار، هل تُطوى الجرائم لأنّ الدولة تحتاج إلى هدنة؟
على وقع الانهيار الاقتصادي والخوف السياسي من الانفجار الاجتماعي، يرى بعضهم أنّ الدولة تستخدم العفو كأداة “تبريد” مؤقتة للشارع ولتخفيف الاحتقان بين الطوائف. فيما الجوهر الإنساني هو الذي يجب أن يطغى على هكذا ملفّ نتيجة وجود مظلوميّةٍ كبيرةٍ جرّاء التعطيل الممنهج للمحاكمات طوال العهد السابق بسبب تعطيل القضاء واستثمار القانون بصفقات التجنيس المشبوهة لجني الأموال الطائلة.
كذلك، لا يمكن إغفال أنّ دولة “حزب الله” العميقة نجحت باستعمال القضاء لسجن معارضيها لأسبابٍ سياسيةٍ، سواء أكانوا لبنانيين أم من جنسيّاتٍ أخرى، بسبب انغماسات هذه المنظّمة الإقليمية، وتحديدًا في المستنقع السوري. عسى أن يتمّ إخراج هذا الملفّ من كلّ التجاذبات الرخيصة، والنظر فيه من البوابة الإنسانيّة البحتة لتعفو هذه الدولة عن ذاتها بذاتها، لا أن يتحوّل بفعل بعض الهيمنة الإيرانية المتبقية على بعض المنافذ السياسية إلى تشريعٍ للفشل تمهيدًا لإسقاط الجمهوريّة، على قاعدة أنّ الدولة التي لا تستطيع أن تحكم توزّع الغفران. فيصبح حينها هذا الموضوع إعلان إفلاسٍ إداريٍّ وقضائيٍّ وحتى أمنيٍّ يزيد في طين انهيار الدولة بلّة. كيف يمكن إعادة ترتيب الداخل اللبناني على وقع اضطراب الإقليم؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير