مزبلة ذهنية وتنظيف العقول… ما معنى دولة… نظام ومؤسسات؟

بقلم د. أنطوان مسرّه

الحاجة إلى شرح مصطلحات تلوثت في خطاب السوق وتعمّمت لدى قانونيين ودستوريين ومثقفين ببغائيين وتستغل في المخادعة وتشويه الأذهان والحياة العامة. ليس في لبنان قوة مسلّحة وميليشيا على نمط الحروب في السنوات 1975-1990، وليس الموضوع مجرد تسليم سلاح، وليس على نمط الميليشيا سابقًا في كولومبيا وإيرلندا… يوجد في لبنان دولة رديفة مع جيشها ودبلوماسيتها. جوهر القضية استعادة الدولة ولصالح الجميع. إنها قضية مؤسساتية وثقافية.

بسطحية لا مثيل لها ورسوم بيانية، ينساق البعض في سجالات حول “النظام” والفدرالية “والطائفية”… خلال حلقات متلفزة مع التجاهل التام لواقع كل الطوائف في لبنان اليوم، باستثناء شيعية سياسية لا تختزل كل الشيعة واستحالة أية فدرالية بدون دولة مركزية أساسًا تحتكر وحدها القوة المنظمة والعلاقات الدبلوماسية. بدون مركزية الدولة ووحدانيتها يعيش اللبنانيون صراعات في مقاطعات إيطاليا سابقًا وما سعى ماكيافيلي للتصدي له.

ما يحدث في لبنان في واقع الكارثة المتمادية، لا يُختزل بتحليلات مجرد استراتيجية ودبلوماسية وعلاقات دولية وتنظيمات دستورية وقانونية. إنه يتطلب الغوص في تشخيص ومعالجات في مسار آخر في علم النفس العيادي والثقافة والتربية والذهنيات والسلوكيات. وليست السياسة حصرًا بنيات فوقية superstructures في الدولة والنظام والمؤسسات وهي بنيات لا تستقيم أساسًا في نظام ديمقراطي بدون شرعية نابعة من قناعة الناس ودعمهم.

تكمن جذور اغتيال الدولة في لبنان Etatcide من قبل دولة رديفة في لبنان، وبخاصة منذ اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006، في حالة مرضية لبنانية لدى شيعية سياسية لبنانية وإقليمية، ولدى مارونية سياسية لبنانية من الماضي، ولا نقول إطلاقًا عظماء الشيعة والموارنة وكل المذاهب. يعود ذلك إلى حالة نفسية ما قبل – قبلية pré-tribale في علم نفس تاريخي لبناني وعربي، ولا نقول قبلية لأن القبائل، خلافًا لإدراك سائد، تعتمد معايير وقيمًا جعلتها تنتظم في مسار تاريخي إلى مركزية الدولة ووحدانيتها: Norbert Elias, La dynamique de l’Occident, 1939, Calmann-Lévy, Pocket, no 80, 1975, 320 p.

يغرق سجال عربي وإسلامي بشأن توصيف الدولة: وطنية وقومية ومدنية وعلمانية…، في حين أن الدولة في جوهرها لا توصف إلا بذاتها in se في وظائفها السيادية، كما يظهر من خلال دراسات حيث تختلط المفاهيم بدون تمييز وتلوث في المصطلحات (الدولة العربية بعد الانتفاضات، سياسات عربية، عدد 78، كانون الثاني – يناير 2026).

ما يحصل في لبنان مع دولة رديفة هو ما يصفه ابن خلدون في مقدمته وما يذكره إبراهيم شمس الدين. لم تتم قراءة التراث العربي والإسلامي من هذا المنطلق، ما يفسر الاضطراب في ثقافة سياسية عربية وما نشهده بشكل خاص لدى الشعب السوري اليوم الذي يسعى إلى استعادة وحدته انطلاقًا من مركزية الدولة في مواجهة قوى محلية نابذة centrifuges. يقول ابن خلدون في مقدمته:

“تأخذ الدولة المستقرة بالهرم والانتقاص بأن يستبد ولاة الأعمال في الدولة بالقاصية (المناطق البعيدة عن المركز) عندما يتقلص ظلّها عنهم، فيكون لكل واحد منهم دولة يستجدها لقومه وما يستقر في نصابه (حصته) يرثه عنه أبناؤه أو مواليه… كما وقع بالدولة الأموية بالأندلس وافترق ملكها بالطوائف الذين كانوا وُلاتها في الأعمال (ولاتها أي متولّين ومؤتمنين من قبلها وفي داخلها ومن ثم خانوا الأمانة من “داخلها أيضًا”) وانقسمت دولا وملوكًا أورثوها من بعدهم من قرابتهم أو مواليهم…”(ابن خلدون، مقدمة، ص 298، نقلا عن إبراهيم شمس الدين وتعليقه، “الدولة بين الانحلال والتلاشي: هل من قيامة؟” في كتاب: الأخطار المحدقة بالدولة اللبنانية وسبل مواجهتها، الحركة الثقافية – انطلياس ومؤسسة فريدريش إيبرت، 2015، ص 180، ص 45-48).

1. ما معنى دولة؟ الدولة في أنثروبولوجيا التاريخ والاجتماع هي السلطة المركزية التي تتصف بأربع وظائف مسماة ملكية rex, regis, roi: احتكار القوة المنظمة أي جيش واحد، واحتكار العلاقات الدبلوماسية أي دبلوماسية واحدة، وإدارة المال العام من خلال الضرائب وجبايتها، وإدارة السياسات العامة. لا توصف الدولة إلا بذاتها، في مركزيتها ووحدانيتها، تجاه إقطاعيات وإمارات وزعامات… ليست الدولة مفهومًا قانونيًا، بل بالأحرى اجتماعيًا وسياسيًا في نشوئها وانضمام الأطراف إلى مركزيتها ووحدانيتها في عقد اجتماعي. الدستور والنظام السياسي يندرجان في سياق قانوني بعد نشوء الدولة، وغالبًا بعد فترة طويلة في سبيل خضوع الدولة للقانون. يرد بأقصى الوضوح في مؤلفات تأسيسية: “الدولة هي أساسًا واقع مرتبط بإرادة سياسية وليس بمعايير محض قانونية”: Georges Burdeau, Le pouvoir politique et l’Etat, LGDJ, 1943, 490 p. et Julien Freund, L’essence du politique, Sirey, 1965, 770 p., p. 557.

 

2. ما معنى نظام؟ النظام هو ديمقراطي، ليبرالي، اشتراكي، شيوعي، علماني… يتضمن النظام الدستور والحوكمة من خلال قضاء وإدارات عامة وانتخابات وأحزاب وإدراك جماعي حول شرعية الحكم légitimité. عندما يطرح البعض، في كل مناسبة، موضوع “النظام” في لبنان فماذا يعنون بذلك؟ هل نص الدستور؟ الممارسة؟ الخطاب السائد في السوق؟ يقول سمير عطاالله: “ينقسم اللبنانيون انقسامًا هائل العمق حول اتجاهات واقتناعات كثيرة يختصرونها جميعًا في مصطلح مطاط وبالغ الغموض هو النظام” (النهار، 9/10/2024).

3. ما معنى مؤسسات؟ تعمّم مفهوم دولة المؤسسات في لبنان في مزبلة ذهنية. يشمل المفهوم الإدارات الإجرائية في ممارسة الحكم: جيش، دبلوماسية، إدارات عامة، قضاء، بلديات…


إن مفهوم الدولة، في وحدانيتها ومركزيتها، غائب في إدراك اللبنانيين. ولدى طرح دولة القانون، ينجرف قانونيون في سجالات حول القانون، في حين أن الدولة هي المولجة في فعالية القانون mise en oeuvre du droit. وبرزت مؤخرًا كذبة “غياب الدولة”، بدلا من تغييب الدولة! يفند ذلك بعمق إيلي الياس (“كذبة غياب الدولة التي قتلت الدولة”، “نداء الوطن”، 7/4/2026).

لا مستقبل آمن للبنان واللبنانيين في حال استمرار مقامرين ومغامرين يسعون، كل حوالى 15 سنة، في الاستقواء داخليًا وقلب قيم وثوابت لبنانية وتوازنات صلبة من خلال دعارة دبلوماسية وباب عال خارجي، مع طرح مزايدات في العدائية تجاه إسرائيل! تتطلب مذكرات جوزف أبي خليل وحروب 1975-1990 بشكل عام قراءة لبنانية أخرى في سبيل بناء المناعة اللبنانية ومناعة اللبنانيين (مذكرات جوزف أبي خليل، نداء الوطن، 27/3/2026).

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك