حين تفقد الأمم ذاكرتها… وتبقى تبحث عن نفسها
بعيدًا عن التنظير السياسي، وبعيدًا عن اللغة الخشبية التي لم تعد تُقنع أحدًا، نحن نعيش اليوم واقعًا موجعًا بكل ما للكلمة من معنى.
قتل، خوف، اعتداءات متكررة، احتلال، انهيار اقتصادي، سرقات، نهب، إذلال يومي، وأمهات يدفنّ أبناءهنّ قبل أوانهنّ. أطفال يكبرون على أصوات الانفجارات بدل أصوات المدارس، وشعوب كاملة باتت تعيش على أعصابها، تنتظر خبرًا سيئًا جديدًا في كل صباح.
في لبنان، وفي أكثر من بلد عربي، لم تعد الحياة تُعاش بشكل طبيعي. أصبح الناس يعيشون في حالة بقاء، لا في حالة استقرار. كل شخص يحمل داخله تعبًا لا يقوله. أصدقائي الذين كانوا يتحدثون يومًا عن مشاريعهم وأحلامهم، بات معظم حديثهم اليوم عن الخوف، والهجرة، وتأمين الدواء، وكيفية حماية أولادهم من هذا الجنون الذي يحيط بنا.
أحيانًا أجلس مع أشخاص من أجيال مختلفة، فأشعر وكأننا جميعًا فقدنا شيئًا أكبر من المال والأمان. فقدنا الإيمان بأننا قادرون على النهوض. فقدنا علاقتنا الطبيعية بأنفسنا، بتاريخنا، وبصورتنا كأمة كانت يومًا تصنع المعرفة، لا فقط تستهلك ما يُفرض عليها.
وهنا تحديدًا أتذكر فكرة “الذاكرة الحضارية”.
أوروبا، بعد حروبها وانقساماتها ودمارها، استعادت وعيها بتاريخها الإغريقي والروماني، وأعادت بناء مشروعها الحضاري انطلاقًا من هذا الوعي. لم تتقدم فقط لأنها امتلكت المال أو القوة، بل لأنها عرفت من تكون، وماذا تريد أن تصبح.
أما نحن، ففي لحظة ما، بدأنا نفقد هذا الوعي تدريجيًا. لم نعد نرى أنفسنا كأبناء حضارة عظيمة ساهمت في العلوم والفلسفة والطب والفكر، بل كأننا شعوب محكومة دائمًا بالأزمات والهزائم والتبعية. ومع تكرار الحروب والانقسامات والتدخلات الخارجية، أصبحت علاقتنا بأنفسنا مرتبكة. حتى لغتنا، وثقافتنا، وطريقتنا في رؤية العالم، بدأ البعض يتعامل معها وكأنها عبء، لا مصدر قوة.
المشكلة ليست في أن نتعلم من الغرب أو ننفتح على العالم، فهذا أمر طبيعي وضروري. المشكلة أن يتحول الانفتاح إلى فقدان للهوية، وأن تصبح مجتمعاتنا مجرد نسخ مشوشة عن الآخرين، بلا مشروع واضح، ولا ثقة بالنفس، ولا رؤية للمستقبل.
أنا لا أقول هذا من موقع الحنين إلى الماضي، ولا من باب تمجيد التاريخ بشكل عاطفي. بل أقوله لأنني أرى جيلاً كاملاً يعيش حالة ضياع. شبابًا أذكياء، يملكون قدرات هائلة، لكنهم لا يشعرون بأن هذا الوطن يشبههم أو يحميهم أو يمنحهم فرصة حقيقية للحياة.
ومع ذلك… ورغم كل شيء، ما زلت أؤمن أن هذه المنطقة لم تمت.
أؤمن بذلك حين أرى أمًا لبنانية، رغم القهر، ما زالت تتمسك بأولادها وبحقهم في التعليم والحياة. أؤمن بذلك حين أرى شبابًا يحاولون بناء مشاريع صغيرة وسط الانهيار. أؤمن بذلك حين أرى أشخاصًا، رغم كل الطائفية والانقسامات، ما زالوا يحلمون بدولة حقيقية تحمي الجميع.
ربما تعبنا كثيرًا، وربما أصبح الخوف جزءًا من يومياتنا، لكن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا هو أن نفقد إيماننا بأنفسنا بالكامل. لأن الأمم لا تموت فقط بالحروب، بل تموت حين تقتنع أنها عاجزة عن النهوض.
استعادة الوعي الحضاري العربي لا تبدأ بالشعارات، بل تبدأ بإعادة بناء الإنسان. بالعلم، بالعدالة، بالمؤسسات، وبإعادة الثقة للناس بأنهم ليسوا مجرد ضحايا على هامش العالم، بل قادرون على أن يكون لهم دور ومستقبل ومكانة.
نحن لا نحتاج أن نعيش داخل أمجاد الماضي، بل أن نستفيد منها لنفهم أن هذه الأمة، رغم كل ما مرت به، كانت دائمًا قادرة على النهوض بعد السقوط.
وربما… بعد كل هذا الظلام، يكون أكثر ما نحتاجه اليوم هو ألا ننسى من نحن.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير