ارتباكًا استراتيجيًا بين ضغوط واشنطن وهواجس الحرب والانهيار الاقتصادي في إيران

خاص بوابة بيروت

دخلت العلاقة بين النظام في إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر تعقيدًا تتجاوز إطار المواجهة التقليدية أو المفاوضات النووية المحدودة، لتتحول إلى صراع متعدد الأبعاد تتداخل فيه الحرب وأمن الطاقة ودور الصين ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، وسط مؤشرات متزايدة على القلق داخل مؤسسات الحكم في طهران من تداعيات الضغوط الأميركية المستمرة.

ورغم محاولات السلطة تقديم صورة توحي بالتماسك والثقة، تعكس الصحف الإيرانية نفسها حجم الارتباك الداخلي حيال مستقبل العلاقة مع واشنطن، والخيارات المحدودة التي تواجهها طهران في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية المتفاقمة.

وفي هذا السياق، طرحت صحيفة توسعه إيراني بشكل لافت فكرة “تطبيع العلاقات” مع الولايات المتحدة، معتبرة أن إيران تقف أمام لحظة تاريخية تتطلب إعادة النظر في شكل العلاقة مع واشنطن بعد الحرب الأخيرة.

ونقلت الصحيفة، عبر حوار مطول مع الأكاديمي الإيراني المقيم في الولايات المتحدة محسن ميلاني، إشارات واضحة إلى حدود سياسة الصدام المفتوح، مؤكدة أن استمرار العقوبات والحصار الاقتصادي يهدد مستقبل الاقتصاد الإيراني، وأن إدماج إيران في الاقتصاد العالمي قد يتطلب إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة.

غير أن هذا الطرح، بحسب مراقبين، يعكس في جوهره قلقًا متزايدًا داخل بعض دوائر النظام من استمرار الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي وتراجع قدرة الدولة على احتواء الضغوط الداخلية.

في المقابل، حافظت الصحف المقربة من الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الأمنية على خطاب أكثر تشددًا، يقوم على تعزيز مفاهيم “الردع” والضغط المتبادل.

فقد وصفت صحيفة اطلاعات مضيق هرمز بأنه “الركن الرابع للردع الإيراني”، معتبرة أن النظام انتقل بعد الحرب الأخيرة من الردع العسكري التقليدي إلى استخدام الجغرافيا السياسية والطاقة كورقة ضغط استراتيجية.

ووفق هذا الطرح، لم يعد النفوذ الإيراني مرتبطًا فقط بالصواريخ أو الأذرع الإقليمية، بل أيضًا بالقدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية عبر مضيق هرمز.

إلا أن هذا الخطاب يعكس بدوره مخاوف متزايدة من فقدان أوراق النفوذ التقليدية، إذ تدرك حتى بعض التحليلات القريبة من النظام أن استخدام هرمز كورقة ضغط يحمل مخاطر استراتيجية، لأن أي تعطيل طويل للممرات البحرية قد يدفع القوى الكبرى إلى تسريع مشاريع الطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على الخليج، ما يضعف تدريجيًا الموقع الجيوسياسي لإيران.

من جهة أخرى، ركزت صحيفة شرق على البعد الصيني، مؤكدة أن بكين “لن تساوم على إيران مقابل تايوان”، في محاولة لطمأنة الرأي العام الإيراني إلى استمرار الشراكة مع الصين.

كما طرحت الصحيفة تساؤلات حول قدرة الصين على الاكتفاء بدور الشريك الاقتصادي فقط، معتبرة أن التطورات الإقليمية والحرب الأخيرة تدفع بكين تدريجيًا إلى لعب دور سياسي وأمني أكبر في ملفات الطاقة وأمن الخليج.

لكن هذه القراءة تكشف أيضًا حجم الاعتماد الإيراني المتزايد على الصين كشريك استراتيجي ووسيط قادر على تخفيف الضغوط الأميركية، في ظل تضاؤل الخيارات الدولية أمام طهران.

وفي السياق نفسه، تناولت صحيفة آرمان ملي السيناريوهات المحتملة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بين العودة إلى التفاوض أو مواصلة سياسة الضغط أو الانزلاق نحو مواجهة جديدة، في إشارة إلى أن المرحلة المقبلة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.

أما صحيفة جوان، فذهبت نحو خطاب أكثر تشددًا تحت عنوان “الاستسلام… الاسم الحركي للسلام”، في تعبير يعكس استمرار الانقسام داخل النظام بين تيار يرى أن تخفيف التوتر بات ضرورة اقتصادية وسياسية، وآخر يعتبر أن أي مرونة قد تُفسر كضعف يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط الخارجية.

وتكشف هذه المعطيات مجتمعة أن النظام في إيران يعيش حالة ارتباك استراتيجي أكثر مما يعيش حالة استقرار أو توازن، فهو لا يريد حربًا جديدة بسبب كلفتها الاقتصادية والاجتماعية الباهظة، لكنه في الوقت نفسه يخشى أن يؤدي أي انفتاح سياسي إلى كشف هشاشته الداخلية وتراجع قبضته على المجتمع.

وبين الرهان على الصين، واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، والتلويح بالمفاوضات أو التصعيد، تبدو طهران أمام مساحة ضيقة تتراجع فيها الخيارات وتتزايد فيها المخاطر، خصوصًا مع تصاعد الغضب الشعبي وتفاقم الأزمات المعيشية داخل إيران.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك