تصاعد الصراع داخل السلطة في إيران وسط مخاوف من انفجار اجتماعي
خاص بوابة بيروت
تعكس الصحف الصادرة في إيران مؤشرات متزايدة على احتدام الخلافات داخل بنية الحكم، في ظل تداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتصاعد القلق من انعكاسات الضغوط الداخلية والخارجية على استقرار البلاد.
ولم تعد الانقسامات داخل النظام في إيران تقتصر على تباينات سياسية أو سجالات إعلامية بين التيارات المختلفة، بل تحولت إلى صراع متصاعد حول كيفية إدارة مرحلة توصف داخل أوساط السلطة بأنها من أكثر المراحل حساسية منذ سنوات، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة وتعثر المفاوضات وتفاقم الأزمة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة آرمان ملي مادة بعنوان “يجب توفير شروط الحياة المتوسطة للناس”، حملت في مضمونها انتقادًا واضحًا لسياسات إدارة الدولة خلال السنوات الماضية.
واعترفت الصحيفة بصورة غير مباشرة بأن تراجع مستوى المعيشة واتساع دائرة الفقر والضغوط الاقتصادية لم يعد ممكنًا احتواؤه عبر الخطاب السياسي أو الأمني، محذرة من أن استمرار هذا المسار قد يهدد الاستقرار الاجتماعي داخل إيران.
ويعكس هذا الطرح، بحسب مراقبين، وجود تيار داخل النظام يرى أن احتواء الاحتقان الشعبي يتطلب إعادة النظر في الأولويات الاقتصادية والسياسية، وربما تخفيف حدة التوترات الخارجية التي تستنزف الموارد وتفاقم الضغوط الداخلية.
في المقابل، تبنت صحيفة جوان خطابًا أكثر تشددًا، من خلال عنوان “الاستسلام… الاسم الحركي للسلام”، في رسالة مباشرة ضد أي توجه نحو تقديم تنازلات أو إظهار مرونة في العلاقة مع الولايات المتحدة أو في الملفات الإقليمية.
ويعكس هذا الخطاب موقف التيار الأمني والعسكري الذي يعتبر أن الضغوط الحالية تشكل جزءًا من مشروع أوسع لإضعاف النظام، وأن أي تراجع سياسي قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط الخارجية والاضطرابات الداخلية.
أما صحيفة جهان صنعت، فقد سلطت الضوء على ما وصفته بـ”الجبهة الحكومية ضد المجلس المعين”، في إشارة إلى تصاعد الخلافات بين الحكومة وبعض المؤسسات غير المنتخبة أو الهيئات النافذة داخل النظام، لا سيما في ملفات الاقتصاد والطاقة والإنترنت.
وتكشف هذه التغطيات أن الخلافات لم تعد تقتصر على التباين في الخطاب السياسي، بل باتت تطال آليات اتخاذ القرار نفسها، في ظل تعدد مراكز النفوذ وضعف التنسيق بين المؤسسات الرسمية والأمنية.
كما تعكس الصحف انقسامًا متزايدًا حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة، إذ تدفع بعض الأصوات نحو العودة التدريجية إلى التفاوض أو نحو شكل من أشكال “التطبيع المحدود” لتخفيف الضغوط الاقتصادية، بينما يرفض التيار المتشدد هذا الطرح بشكل كامل، ويعتبره تراجعًا سياسيًا قد يُفسر داخليًا وخارجيًا على أنه هزيمة.
ورغم اختلاف الرؤى بين الأجنحة المختلفة، يبدو أن القلق من الشارع الإيراني يشكل القاسم المشترك بينها جميعًا.
فالأزمات الاقتصادية المتراكمة، من تراجع العملة وارتفاع الأسعار إلى أزمات الكهرباء والدواء والإنترنت، دفعت حالة الاحتقان الاجتماعي إلى مستويات متقدمة، ما جعل كثيرًا من السجالات الإعلامية والسياسية تبدو مرتبطة بمحاولات كل طرف تجنب تحميله مسؤولية أي انفجار اجتماعي محتمل.
وفي الوقت نفسه، يحاول النظام في إيران توجيه رسالتين متناقضتين: الأولى إلى الخارج، عبر التأكيد أنه لا يزال قادرًا على الصمود والردع، والثانية إلى الداخل، عبر الإيحاء بأنه يدرك حجم الضغوط الاجتماعية ويحاول التعامل معها.
لكن اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة، ويعزز الانطباع بأن النظام لا يواجه فقط أزمة خارجية، بل أيضًا أزمة داخلية متنامية تتعلق بمن يملك القرار وكيف تُدار المرحلة المقبلة.
وبين تيار يدفع نحو قدر من البراغماتية السياسية لتخفيف الضغوط، وآخر يتمسك بخيار التشدد والمواجهة، يبقى الخوف من انتقال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى انفجار سياسي واسع العامل الأكثر حضورًا في المشهد الإيراني الحالي.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير