«السِّلمُ الأهليُّ»… الذريعةُ التي يُعلَّقُ بها الدستورُ وتُشرعَنُ بها الدويلة

خاص بوابة بيروت

لم يَعُدْ مصطلحُ «حمايةِ السِّلمِ الأهليِّ» في لبنان توصيفًا دستوريًّا هدفُه منعُ الحربِ الأهليةِ وصونُ الاستقرارِ الوطني، بل تحوَّلَ، في كثيرٍ من المحطّات، إلى أداةٍ سياسيةٍ تُستخدمُ لتبريرِ تعطيلِ الدستور، وشلِّ المؤسَّسات، ومنحِ غطاءٍ دائمٍ لواقعِ السلاحِ الخارجِ عن سلطةِ الدولة.

فكلّما طُرحَ ملفُّ بسطِ السيادة، أو تطبيقِ القوانين، أو تنفيذِ القراراتِ الدولية، أو ضبطِ الحدود، ارتفعت العبارةُ ذاتُها، «حفاظًا على السِّلم الأهلي». وكأنَّ المطلوبَ من الدولةِ اللبنانيةِ ألّا تحكم، وألّا تُطبّق القانون، وألّا تحتكرَ القوّةَ الشرعية، بل أن تتكيّفَ مع موازينِ القوّةِ المفروضةِ عليها بقوةِ الأمرِ الواقع.

لقد جرى، على مدى سنوات، تحويلُ مفهومِ «السِّلم الأهلي» من إطارٍ لحمايةِ المجتمع، إلى ذريعةٍ لتجميدِ الدولةِ نفسها. فأصبحت هيبةُ المؤسّسات تُصوَّرُ كأنّها استفزاز، فيما بات الخضوعُ للابتزازِ المسلّح يُقدَّم باعتباره «حكمةً سياسية» و«ضرورةً وطنية».

السِّلمُ الأهليُّ لا يعني شللَ الدولة

لا أحدَ يريدُ حربًا أهليةً جديدة، ولا انفجارًا داخليًّا، لكنَّ السؤالَ الذي تهربُ منه الطبقةُ السياسيةُ منذ عقود هو، هل يُحمى السِّلمُ الأهليُّ عبرَ فرضِ سيادةِ الدولةِ على الجميع، أم عبرَ استسلامِ الدولةِ التدريجيِّ لمنطقِ الدويلة؟

التجربةُ اللبنانيةُ منذُ نهايةِ الحربِ الأهليةِ أثبتت أنَّ التسوياتِ المبنيَّةَ على ازدواجيةِ السلاحِ والقرارِ لم تُنتجْ استقرارًا حقيقيًّا، بل أنتجت دولةً معلّقةً بين الشرعيةِ الشكليةِ والسلطةِ الفعليةِ الخارجةِ عنها.

ومنذُ توقيع اتفاق الطائف، كان يفترضُ أن يُحصرَ السلاحُ بيدِ الدولةِ اللبنانية، وأن تُحلَّ جميعُ الميليشياتِ بلا استثناء.

لكنَّ ما حصلَ عمليًّا هو العكسُ تمامًا، إذ توسّعت ازدواجيةُ القرار، وتحوّلت «الاستثناءاتُ المؤقّتة» إلى بنيةٍ دائمةٍ فوقَ الدولة.

القراراتُ الدولية ليست «مشروعَ فتنة»

بعدَ حربِ تموز 2006، صدرَ قرار مجلس الأمن 1701 بوصفِه إطارًا واضحًا لوقفِ الأعمالِ العدائية، وبسطِ سلطةِ الدولةِ اللبنانيةِ جنوبَ نهر الليطاني، ومنعِ أيِّ وجودٍ مسلّحٍ خارجَ إطارِ الشرعية.

لكنّ الطبقةَ السياسيةَ تعاملت مع تطبيقِ القرارِ باعتباره «مشكلةً داخليةً حسّاسة»، لا استحقاقًا سياديًّا ملزمًا. وكلّما طُرحت مسألةُ احتكارِ الدولةِ للسلاح، جرى استحضارُ معزوفةِ «السِّلم الأهلي» لتبريرِ التراجعِ والتهرّب.

والأخطرُ أنَّ بعضَ القوى السياسيةِ روّجَ لفكرةِ أنَّ تنفيذَ قراراتٍ كـ قرار مجلس الأمن 1559 و1701 يشكّلُ «استفزازًا داخليًّا»، بينما الحقيقةُ القانونيةُ والدستوريةُ تقول إنَّ الدولةَ التي لا تحتكرُ السلاحَ ولا القرارَ الأمني، تتحوّلُ تلقائيًّا إلى دولةٍ منقوصةِ السيادة.

اليوم، ومع التحوّلاتِ الإقليميةِ الكبرى التي يشهدُها الشرقُ الأوسط عام 2026، سقطت عمليًّا أكذوبةُ «المنطقة الرمادية». لم يَعُدْ ممكنًا استمرارُ نموذجِ الدولةِ المعلّقةِ بين الشرعيةِ الرسميةِ والقوّةِ الموازية. فإمّا دولةٌ كاملةُ السيادة، وإمّا كيانٌ هشٌّ قابلٌ للانفجارِ عند كلِّ تبدّلٍ إقليمي.

«الأمنُ بالتراضي»… هندسةُ العجزِ الرسمي

في محطّاتٍ مفصليةٍ من تاريخِ لبنان الحديث، ظهرَ بوضوحٍ أنَّ بعضَ المؤسّساتِ لم تكن عاجزةً تقنيًّا بقدرِ ما كانت مقيّدةً سياسيًّا بمنطقِ «الأمن بالتراضي»، أي إدارةِ التوازناتِ بدلَ فرضِ القانون.

 7 أيار 2008

بدا المشهدُ وكأنَّ الدولةَ عاجزةٌ عن حمايةِ قرارِها السيادي أمام فائضِ القوّةِ الحزبية، ما كرّس لاحقًا منطقَ الفيتو المسلّح داخلَ الحياةِ السياسية.

 معركة عبرا 2013

رغمَ المواجهةِ الداميةِ التي خاضها الجيشُ ضدَّ مجموعةِ الشيخ أحمد الأسير، بقيت تساؤلاتٌ سياسيةٌ وأمنيةٌ كبرى تُطرحُ حولَ مشهدِ السلاحِ الموازي وحدودِ تداخلِ النفوذِ الحزبي مع القرارِ الأمني واغفال لاحقا من اطلق الرصاصة الاولى وكيف وضع الجيش في المواجهة.

الطيونة وعين الرمانة: بدا وكأنَّ الدولةَ تديرُ خطوطَ تماسٍّ طائفية بدلَ أن تحسمَ الشارعَ بوضوحِ القانونِ الواحد.

 الحدودُ اللبنانيةُ – السورية

تحوّلت لعقودٍ إلى مساحةِ نفوذٍ للمعابرِ غيرِ الشرعيةِ والتهريبِ المنظَّم، بما استنزفَ الاقتصادَ وكرّسَ اقتصادًا موازيًا خارجَ سلطةِ الدولة.

إنَّ أخطرَ ما أنتجه هذا الواقعُ هو تآكلُ ثقةِ اللبنانيين بمؤسّساتِهم، وترسّخُ قناعةٍ لدى شرائحَ واسعةٍ بأنَّ القانونَ يُطبَّقُ على الضعفاء فقط، فيما تُمنحُ القوى النافذةُ حصاناتٍ غيرُ مكتوبة.

الأزمةُ ليست في الجيش… بل في القرارِ السياسي

الجيشُ اللبنانيُّ يضمُّ ضباطًا وعسكريين قدّموا تضحياتٍ كبيرةً دفاعًا عن لبنان، لكنَّ أيَّ مؤسّسةٍ عسكريةٍ في العالم لا تستطيعُ أن تعملَ خارجَ القرارِ السياسي.

وعندما يكونُ القرارُ السياسيُّ نفسه رهينةَ التسوياتِ والخوفِ من مواجهةِ قوى الأمرِ الواقع، تصبحُ المؤسّسةُ العسكريةُ محاصرةً بين واجبِها الدستوري وحدودِ المسموحِ سياسيًّا.

وهنا تكمنُ الأزمةُ الحقيقية: ليست أزمةَ بندقيةٍ أو عنصرٍ عسكري، بل أزمةُ سلطةٍ تخشى ممارسةَ سيادتِها الكاملة داخلَ حدودِها. فالدولةُ التي تُفاوضُ السلاحَ بدلَ أن تحتكرَه، وتُسايرُ المعابرِ غيرِ الشرعية بدلَ أن تُغلقَها، وتُعلّقُ تطبيقَ القانونِ خوفًا من ردِّ فعلٍ سياسيٍّ أو مذهبي، تتحوّلُ تدريجيًّا إلى دولةٍ فاقدةِ المناعةِ والسيادة.

 لا دولةَ مع ازدواجيةِ السلاح

إنَّ أيَّ مشروعِ نهوضٍ اقتصاديٍّ أو إصلاحٍ سياسيٍّ أو استقرارٍ أمنيٍّ يبقى مجرّدَ وهمٍ طالما أنَّ:

  • قرارَ الحربِ والسِّلم ليس حصرًا بيدِ الدولة.
  • هناك سلاحٌ خارجُ الشرعيةِ يملكُ فائضَ قوّةٍ فوقَ المؤسّسات.
  • الحدودَ مستباحةٌ للتهريبِ والنفوذِ الموازي.
  • القضاءَ مقيَّدٌ بالتدخّلاتِ السياسيةِ والطائفية.
  • التعييناتَ الأمنيةَ تُدارُ بمنطقِ المحاصصةِ لا الكفاءة.

إنَّ حمايةَ لبنان لا تكونُ عبرَ تكييفِ الدولةِ مع السلاحِ الخارجِ عنها، بل عبرَ إعادةِ بناءِ دولةٍ تحتكرُ وحدَها القوّةَ العسكريةَ والقرارَ الأمنيَّ والقضائي. ومن هنا، تصبحُ الحاجةُ إلى عقيدةٍ سياديةٍ واضحةٍ ضرورةً وجودية، قاعدتُها البديهية: «لا سيادةَ فعليةَ لدولةٍ لا تحتكرُ وحدَها السلاحَ وقرارَ استخدامِه.»

بينَ الدولةِ والدويلة… لا حيادَ ممكنًا

الخطابُ الذي يربطُ أيَّ محاولةٍ لبسطِ سلطةِ الدولةِ بخطرِ «الحرب الأهلية» تحوّلَ إلى أداةِ ابتزازٍ سياسيٍّ هدفُها إبقاءُ الواقعِ الشاذِّ كما هو. فالبديلُ عن الدولةِ ليس «السِّلمَ الأهلي»، بل الفوضى المقنّعة، وتآكلُ الكيان، وسقوطَ مفهومِ المواطنةِ لصالحِ منطقِ المربّعاتِ والنفوذ.

ولذلك، فإنَّ إعادةَ بناءِ المؤسّساتِ الأمنيةِ والعسكريةِ والقضائيةِ على قاعدةِ الكفاءةِ والاستقلالِ والولاءِ الحصريِّ للدستور، لم تَعُدْ ترفًا سياسيًّا ولا شعارًا إعلاميًّا، بل شرطًا لبقاءِ لبنانِ نفسِه.

فإمّا دولةٌ تحتكرُ القرارَ والسلاحَ وتفرضُ سيادتَها على كاملِ أراضيها، وإمّا كيانٌ معلّقٌ على حافةِ الانهيار، تُديرهُ التسوياتِ الهشّةُ وتتحكّمُ بمصيرِه موازينُ القوّةِ لا أحكامُ الدستور. لأنَّ الأوطانَ لا تسقطُ فقط عندما تُهزمُ عسكريًّا، بل تسقطُ أيضًا عندما تعتادُ العيشَ تحتَ سقفِ الدويلة، وتُقنعُ نفسَها بأنَّ غيابَ الدولةِ قدرٌ لا يمكنُ تغييره.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك