لماذا إخضاع #لبنان للإنتحار؟

بقلم د. جورج شبلي – خاص بوابة بيروت

@chebli_dr

لمّا كانت المغامرات غير المحسوبة لا تعود على صاحبها بأيّة فائدة، استنادًا الى منطوقِ عِلم نفس السّلوك، فكيف، إذا كان سِياقُ المغامرةِ يقود الى الانتحار ؟

وما يجري على الأفراد، في هذا المجال، ينسحبُ، حتمًا، على الجماعات والأوطان، من هنا، برزَت دعواتُ المتعقِّلين الى تَوَخّي الحلول بالاتّزان، والحكمة، وهما أكثر نفعًا من الهَوس العقيم، والتعنّت، والعبثيّة، خاصةً إذا كانت المغامرةُ انتحارًا ذا مردودٍ خطيرٍ، بل مُدَمِّر.

إنّ المغامرة التي نشير إليها، بين مغامرات عندنا وما أكثرها، هي المباشرةُ بالحرب، إسنادًا لغزّة، وتاليًا لإيران، بشكل استباح رأي الدولة، وغالبيّة شرائح النّسيج الوطني.

وما كان من المستقوين إلّا أن وضعوا يدهم على القرار، وكأنّ شرعيّة الجماعة الوطنيّة استُبِدّ بها من غير وجه حقّ، ما عرّضَ البلاد الى تداعيات وخيمة، ملوَّنة بالدم، وحوّل الوطن ضحيّةً سائغة في شِدقِ عدوٍّ عنيف فَقَشَ حصرمة في عين هولاكو…

إنّنا لم نصدّقْ، ابدًا، أنّ المنتَحِرين من تابِعي الخارج، سوف يميلون الى الموقف العقلاني الوطني، بدلًا من الاقتداء بأوامر أسيادهم في إيران، غيرَ آبهين بالمخاطر الكارثيّة التي يستدرجونها، وأقلُّها المزيد من الضّحايا، والخراب، والجَرف، والنّزوح، وتَمَدُّد الاحتلال، وقَهر النّاس وأكثرُهم من بيئة المنتحِرين بالذّات.

وإذا عدنا الى ما ادّعى هؤلاء أنّهم يدافعون عنه، بقرار المواجهة العسكرية في الجنوب، إسنادًا لغزّة ولإيران، فواضحٌ، تماماً، أنّهم، بذلك، انقلبوا على منطوقِ الدّستور، والميثاق، وأفرغوا السّلطة من جدواها بشلّها المقصود، وعطّلوا المؤسّسات،

ووضعوا اليد على مفاصل الموقف اللبناني من الحرب الدّائرة في المنطقة، وأحكموا قبضتهم على الدّاخل، فبدا الوطن شريدًا، ومحشورًا بشدّة في عنق الأزمة، والخطر، وربّما مواجِهًا زوال بعضٍ من أرضه… من هنا، ليس صحيحًا، أبدًا، أنّ المغامِرين يدافعون عن لبنان بإعلانهم الحرب على العدوّ، بقدرِ ما يزجّون بالبلد في جهنّم، وهذا ما حصل.

وبعد، كما أنّ إدانة العدوّ واجبة إنسانيًّا، وأخلاقيًّا، كذلك واجبةٌ أيضًا إدانة الانخراط في حرب مرعِبة غير محسوبة، تستدرج هذا العدوّ الى تدمير لبنان بآلته الحربيّة الفتّاكة، حجرًا وبشرًا، لتزداد مصائبه ونوائبه.

إنّ ما يحصل في جنوب لبنان، وفي بقاعه، وفي ضاحية بيروتِهِ الجنوبيّة، من دَكٍّ بالصّواريخِ والقنابل، يجعل هذه المناطق أمكنةً غير قابلةٍ للحياة، وهذا ما قد يحصل لكلّ لبنان، إذا تمدّدت الحرب.

ولا يستلزم كبير عناء للتدّليل على أن الصّورة قاتمة، وأنّ البلاد موضوعة تحت المقصلة، وأنّ النّاس المهدَّدين سوف يتحسّسون رقابهم ليتأكّدوا من استمرار وجودها فوق أكتافهم…

إنّ مشروع الدّخول في الحرب، ليس، على الإطلاق، دفاعًا عن لبنان، وأهله، وسيادته، وكيانه، إنّما هو عمالةٌ شنيعة، وسلوك مرتبط بأوامر من خارجٍ معروف، تَقضي مصلحتُه أن يزجَّ بلبنانَ في صراع ضَروس رأينا نتائجه المريعة بأمِّ العين، وهي ستكون أكثر سوءًا، ودمارًا، وضحايا، ممّا كانت عليه في المواجهة السّابقة التي مهما ابتُدِعت الخطابات لأَسْطَرَةِ نتائجها، فلا يُطلَب من الواحد، للوقوف على حقيقتها، إلّا إتقان القراءة، فقط.

لقد كان من واجب المنتحِرين المستَقوين، وقبل المباشرة بتنفيذ قرار ليس ملكَهم، وهو قرار الحرب والسِّلم، أن يُمعنوا النّظر في ما يمكنُ أن يَنتجَ من مغامرتهم بمقياس العقل، والرّزانة، وأن يتوقّعوا التّداعيات المُكلِفة التي أدَّت الى إذلال البلدَ الذي عليه أن يترجّى على أبوابِ الذين يتبرّعون لإغاثتِه.

كان حريًّا بالذين دفعوا بلبنان الى الانتحار، أن يلتزموا بقرار السّلطة، في شأن الحرب، وهو قضيّة مركزيّة في الدولة، قبلَ الاستئثارِ به، مُنفرِدين.

وكان عليهم، أيضًا، أن يسألوا أنفسَهم لماذا إلزام لبنان بالانخراط في المواجهة، والنتائجُ معروفة ؟؟؟

لكنّ الهيمنة التي يمارسها المغامِرون الذين لا يعترفون بالوطن مرجعيّة وحيدة، وينصاعون، بالمقابل، لأوامر من خارجٍ لم يحسب لمصلحة لبنان حسابًا، قد أدَّت ببعض القيِّمين على شؤون البلاد والعباد إمّا الى الرِّضى المتحالِف مع التّخاذل، وإمّا الى المصلحة، ما أدّى، ويؤدّي، الى القضاء على الوطن الذي جعله المستقوون وَقفَ الشيطان، يغوصُ في لحمِهِ طعمُ الموت، ويضمّدُ جراحَه بالجراح…

إنّ المطلوبَ، بعد هذه النّكبة، وحتى لا يجرفَنا وَحلُ الأرض، مجدَّدًا، مع الذين زجّونا في أتونِ الموت، بلديّين وأعاجم، فهو أن نرفضَ المضيَّ في الصّمت، وأن نطالب بتطبيق الدّستورِ والقوانين المرعيّة، بمنع المستقوين من ممارسة أيّ نشاط في البلاد، عسكريًّا أم أمنيًّا، أم سياسيًّا، وزجّ الذين يخالفون هذا القرار في السّجون، ومحاكمتهم، حفاظًا على لبنانَ آمِنًا، تحكمُهُ مؤسّساتٌ شرعيّة نزيهةٌ ووطنيّة، في دولةٍ ذات سيادة، ولا نرضى أن تستمرَّ دويلةٌ مُستَقوِيَة في استباحتها بسلوكٍ مدمِّرٍ لدولة المواطنة، ولطموحِ الأجيالِ بمستقبلٍ واعد…

وهذه رسالةٌ موضوعيّة تدعو الجميعَ، وأركان الدولة على رأس هذا الجميع، لإخراج لبنان من دائرة النّار. ومَنْ له أُذُنان …

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك