
كاتب ومحلل سياسي
#الجامعة_اللبنانية في قبضةِ #الثنائي_الشيعي
كيف تحوَّل الصَّرحُ الوطنيُّ إلى دُكّانَةِ المُحاصَصَةِ والوِصايةِ السِّياسيَّةِ؟
بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت
@mirazjundi
لم تعد الجامعةُ اللُّبنانيَّة اليوم مجرّدَ مُؤسَّسةٍ أكاديميَّةٍ تُعاني من أزمةٍ إداريَّةٍ أو ماليَّةٍ كبقيّة مؤسَّسات الدولة المنهارة، بل تحوَّلت تدريجيًّا إلى نموذجٍ صارخٍ عن كيفيّة ابتلاع المنظومة السياسيّة لمؤسَّسات الجمهوريّة، وإعادة إنتاجها كأدوات نفوذٍ ومُحاصَصَةٍ وتثبيتٍ للهيمنة الحزبيّة.
فالجدلُ الدائر حول تعديل القانون 66 الخاص بالجامعة اللبنانيّة لم يعد نقاشًا تقنيًّا حول مدّة ولاية رئيس الجامعة أو آليّة تعيينه، بل بات معركةً سياسيّةً كاملةَ الأوصاف بين من يسعى إلى الحفاظ على ما تبقّى من مفهوم الدولة والمؤسَّسات، وبين من يعمل على إخضاع آخر صرحٍ أكاديميٍّ وطنيٍّ لمنطق الوصاية الحزبيّة والدويلة.
إنّ الاقتراح المطروح تحت عنوان “تحديد ولاية رئيس الجامعة بخمس سنوات قابلة للتجديد” لا يُقرأ في الأوساط الأكاديميّة والسياسيّة إلا باعتباره تمديدًا مُقنَّعًا لرئيس الجامعة الحالي الدكتور بسّام بدران، ومحاولةً لتكريس عرفٍ خطيرٍ يجعل من رئاسة الجامعة موقعًا سياسيًّا شبه دائم، خاضعًا لموازين القوى الحزبيّة لا للمعايير الأكاديميّة والمؤسَّساتيّة.
من “إصلاحٍ إداريّ” إلى هندسةِ نفوذٍ سياسيّ
تُقدَّم هذه الصيغة تشريعيًّا على أنّها “تطويرٌ إداريّ”، غير أنّ أوساطًا أكاديميّةً واسعة ترى فيها حلقةً جديدةً من مشروع إحكام السيطرة السياسيّة على الجامعة اللبنانيّة، وتحويلها تدريجيًّا إلى مؤسَّسة تدور داخل فلك الثنائيّ السياسيّ، بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وبالشراكة السياسيّة والتنظيميّة مع حزب الله.
ولا تُخفِي هذه القراءة الأكاديميّة أنّ الخطر لم يعد في شخص رئيس الجامعة بحدّ ذاته، بل في تكريس سابقةٍ قانونيّةٍ تُحوِّل الموقع الأكاديمي الأعلى في الجامعة إلى منصبٍ سياسيٍّ دائمٍ يُدار بمنطق التوازنات، لا بمنطق الكفاءة والاستقلاليّة.
ومن هنا، يتّضح أنّ ما يجري ليس تعديلًا إداريًّا، بل إعادة صياغةٍ لمفهوم السلطة داخل الجامعة، على صورة ما جرى في مؤسَّساتٍ لبنانيّةٍ أخرى جرى تفريغها من استقلاليّتها وتحويلها إلى ساحات نفوذٍ حزبيّ.
الجامعة اللُّبنانيَّة: من ركيزةٍ وطنيّةٍ إلى ساحةِ توازنات
تاريخيًّا، شكّلت الجامعة اللبنانيّة أحد أهمّ أعمدة الدولة الحديثة بعد الاستقلال. فهي لم تكن مجرّد مؤسَّسة تعليمٍ رسميّة، بل مساحةً وطنيّةً جامعة مكّنت عشرات آلاف الطلاب من مختلف المناطق والطوائف من الوصول إلى التعليم العالي، وأسهمت في إنتاج نخبةٍ أكاديميّةٍ وقضائيّةٍ وإداريّةٍ شكّلت العمود الفقري للدولة لعقود.
لكن هذا الدور بدأ يتآكل مع تمدّد النفوذ السياسي داخل الجامعة، إلى أن تحوّلت تدريجيًّا إلى ساحة محاصصةٍ مكشوفة، تُدار فيها ملفات التفرّغ والتعيين والترقية وفق الولاءات، لا وفق معايير الإنتاج العلمي والكفاءة الأكاديميّة.
وبات واضحًا، وفق شهادات أساتذةٍ وباحثين، أنّ التوازنات الحزبيّة باتت تتقدّم على المعايير الأكاديميّة، في وقتٍ أصبحت فيه مواقع عدّة داخل الجامعة خاضعة عمليًّا لمعادلات النفوذ السياسي العام.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أنّ نفوذ الثنائيّ الشيعي داخل الجامعة أصبح عنصرًا حاسمًا في القرار الإداري، سواء عبر القنوات السياسيّة المرتبطة بـ عين التينة، أو عبر امتدادات تنظيمية داخل بعض الكليات والفروع، ولا سيّما في الضاحية والجنوب والبقاع.
التمديد لبسّام بدران: تشريعٌ على قياس النفوذ.
الاعتراض الأساسي الذي يطرحه عددٌ من الأكاديميّين لا يتعلّق بشخص بسام بدران فقط، بل بمبدأ تفصيل التشريعات على قياس الأشخاص والقوى السياسيّة.
فإذا كان الهدف تطوير الجامعة فعلًا، فلماذا يُختزَل الإصلاح بتعديل ولاية رئيسها فقط؟ ولماذا لا يُفتح ملف إعادة تكوين مجلس الجامعة المُعطَّل، وتفعيل المجالس الأكاديميّة، وتكريس آليّات شفافة للتعيين والترقية، وإقرار استقلاليّة القرار العلمي؟
هذه الأسئلة تحوّلت إلى محور اعتراضٍ داخل الجسم الأكاديمي نفسه، حيث تُفيد معطيات متقاطعة بوجود رفضٍ واسع بين الأساتذة لفكرة التمديد المُقنَّع، باعتباره تكريسًا لتحويل رئاسة الجامعة إلى موقع نفوذٍ سياسيّ دائم.
كما تُشير معلومات متداولة داخل الأوساط الجامعيّة إلى خلافاتٍ داخل الهيئة التنفيذية لرابطة الأساتذة المتفرغين حول الموقف من المشروع، وسط انقسامٍ بين اتجاهٍ رافضٍ للمسار الحالي، وضغوطٍ سياسيّةٍ غير معلنة تدفع نحو تخفيف التصعيد.
تهريبةٌ نيابيّة أم التفافٌ على الأصول الدستوريّة؟
تجاوزُ لجنة الإدارة والعدل في مقاربة هذا التعديل، في حال حصوله، يفتح نقاشًا دستوريًّا حول سلامة المسار التشريعي، خصوصًا أنّ المشروع يمسّ قانونًا أساسيًّا لمؤسَّسة وطنيّة كبرى.
ويرى حقوقيّون وأساتذة قانون أنّ تجاوز اللجان المختصّة يُعدّ خللًا في الأصول التشريعيّة، وقد يُشكّل مدخلًا للطعن أمام المجلس الدستوري في حال إقراره.
وتكشف النقاشات السياسيّة أنّ بعض الكتل التي أبدت موافقة مبدئية داخل لجنة التربية عادت لتُعيد تقييم موقفها بعد تبيّن الطابع السياسي المباشر للتعديل.
كما برز تباين داخل قوى مسيحيّة، خصوصًا لدى القوات اللبنانية وحزب الكتائب اللبنانية، حيث تميل أوساطها إلى رفض الصيغة الحالية باعتبارها تمديدًا سياسيًّا مُقنّعًا. أما داخل التيار الوطني الحر، فتظهر ازدواجيّة في المواقف بين دعمٍ تشريعيّ أوليّ وتحفّظاتٍ لاحقة على مبدأ التمديد داخل مؤسَّسة أكاديميّة.
الجامعة تحت الوصاية: انهيار الاستقلال الأكاديمي.
الأزمة اليوم لا تُختزَل في تعديل مادة قانونيّة، بل في تحوّل بنيوي أصاب الجامعة اللبنانيّة، حيث باتت بعض الكليات تُدار فعليًّا ضمن تأثيراتٍ سياسيّة مباشرة، ما انعكس تراجعًا في مساحة الحرية الأكاديميّة واستقلال القرار الإداري.
كما تصاعدت خلال السنوات الأخيرة شكاوى حول مظاهر التعبئة الحزبيّة داخل الحرم الجامعي، وتحويل بعض الفضاءات إلى مناطق نفوذ رمزي وسياسي، بما يضرب مفهوم الجامعة كمجالٍ وطنيٍّ جامع.
وفي موازاة ذلك، أُثيرت تساؤلات في أكثر من مناسبة حول اقتراب بعض المشاريع البحثيّة من دوائر حسّاسة ذات طابع أمني، وهو ما زاد من حساسيّة النقاش حول استقلاليّة المؤسسة الأكاديميّة، رغم غياب أي أحكام قضائيّة تُثبت تلك الادعاءات.
من جامعةٍ وطنية إلى مؤسَّسة مُحاصَصَة.
ما يجري داخل الجامعة اللبنانيّة اليوم ليس تفصيلًا إداريًّا، بل انعكاسًا مباشرًا لفلسفة حكمٍ تعتبر مؤسَّسات الدولة غنائم سياسيّة قابلة للتوزيع.
فالجامعة، التي كان يُفترض أن تبقى آخر حصون الدولة الأكاديميّة، تتحوّل تدريجيًّا إلى مساحة نفوذٍ ومحاصصةٍ وتبادل مصالح، في ظل تراجع مفهوم الاستقلاليّة المؤسَّساتيّة.
إنّ الدفاع عن الجامعة لا يقتصر على رفض التمديد أو الاعتراض على شخص، بل هو دفاع عن فكرة الدولة نفسها، وعن حقّ اللبنانيّين في جامعةٍ وطنيّةٍ حرّة لا تخضع لوصاية الأحزاب ولا لإدارة المحاور.
خاتمة: بين الدولة والدكّان..
الجامعة لا تحتاج إلى وصايةٍ سياسيّة، لا من عين التينة ولا من أي محورٍ آخر، بل تحتاج إلى إعادة بناءٍ جذريّ يقوم على:
تفعيل مجلس الجامعة كمرجعيّة أكاديميّة مستقلّة
اعتماد معايير الكفاءة والشفافيّة في التعيينات
حماية الحرم الجامعي من التسييس والتعبئة
إعادة الاعتبار للبحث العلمي والإنتاج الأكاديمي الحر
إنّ ما يجري داخل الجامعة اللبنانيّة ليس معركةً حول قانونٍ أو موقع، بل صورةٌ مكثّفة عن أزمة الدولة اللبنانية نفسها.
وعندما تتحوّل الجامعة الوطنيّة إلى مساحة نفوذٍ حزبي، يصبح التعليم العالي مجرّد شعارٍ بلا مضمون.
إمّا جامعةٌ وطنيّةٌ حرّة لكلّ اللبنانيّين، وإمّا مؤسَّسةٌ مُفرَّغة تتحوّل إلى دكّانةٍ جديدة تُضاف إلى خرائب المحاصصة التي تلتهم الجمهورية.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير