إعادة هندسة #لبنان ام تفجيره؟

قراءة في المفاوضات بعد الإسنادين

قراءة في #المفاوضات بعد الإسنادين

بقلم إيلي إ. حرب – خاص بوابة بيروت

@elieharb3

تكشف المقارنة بين تفاهم 27 تشرين الأول 2024، وتفاهم نيسان 2026، وورقة إعلان النوايا أو المسودة الصادرة عن محادثات أيار الأخيرة في واشنطن، عن تحوّل في طبيعة المقاربة “الأميركية – الإسرائيلية” تجاه لبنان وانتقالها من إدارة التصعيد إلى محاولة إعادة صياغة البيئة الأمنية والسياسية اللبنانية بصورة أوسع، وباتت تتجاوز الجنوب لتطال مسألة السلاح ودور الدولة اللبنانية نفسها.

فالوثائق الثلاث لا تمثل مجرد مراحل تفاوضية متتالية، بل تعكس انتقالاً من منطق “احتواء الحرب” إلى مشروع إعادة ترتيب التوازنات الداخلية اللبنانية والإقليمية.

اتفاق تشرين وتثبيت قواعد الاشتباك

جاء الاتفاق في ذروة التصعيد العسكري وتوسع المواجهة بين إسرائيل وحزب الله على إثر حرب إسناد غزة. هدف الاتفاق إلى وقف الانزلاق نحو حرب شاملة، إعادة العمل الفعلي بالقرار 1701، إقامة منطقة تهدئة جنوب الليطاني وتعزيز دور الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية.

اتفاق تشرين لم يتحدث صراحة عن إنهاء الصراع اللبناني الإسرائيلي بين الدولتين وعن مفاوضات سلام مباشرة أو إعادة صياغة النظام الأمني اللبناني، إلا أنه تناول كما القرارات السابقة بسط سيادة الدولة وانتشار القوى اللبنانية المسلحة ابتداء من الجنوب. “كما ورد في الورقة التي طرحها رئيس الحكومة السابق باللغة الإنكليزية على مجلس الوزراء ووافق عليها الجميع”.

التركيز في الاتفاق كان على وقف اطلاق النار أولاً، إبعاد المقاتلين والأسلحة الثقيلة عن الحدود، احتواء التوتر ومنع توسع الحرب في الإقليم. وكان مجرد ترتيبات أمنية ميدانية لا أكثر ولا أقل.

تفاهم نيسان والهدنة السياسية

مع استمرار الحرب والاستنزاف المتبادل في أعقاب حرب إسناد إيران، بدا تفاهم نيسان، مقارنة مع إعلان أيار، كمرحلة وسطى بين التهدئة العسكرية والتسوية السياسية. وهو نص على وقف الأعمال القتالية، التزام إسرائيلي بعدم شن عمليات هجومية داخل لبنان، تعهد لبناني بمنع الهجمات ضد إسرائيل، إطلاق مفاوضات مباشرة برعاية أميركي، والأهم أنه تحدث عن “تهيئة الظروف لمفاوضات سلام” متخطياً مسألة ضبط الحدود التي باتت مرتبطة بمستقبل العلاقة بين لبنان وإسرائيل.

إعلان أيار من الهدنة إلى إعادة هندسة الدولة

أما مسودة إعلان النوايا الأسبوع الماضي فهي أكثر شمولاً وأقرب إلى تفاهم سياسي، ونقلت، بعد حرب إسناد إيران، النقاش إلى مستوى جديد بالكامل. فالوثيقة لا تتحدث فقط عن وقف الحرب، بل عن “إنهاء الصراع”، علاقات مستقرة وسلمية، إعادة إعمار مرتبطة بسيادة الدولة وترتيبات ما بعد اليونيفيل. وبالمقارنة مع اتفاق تشرين لم يعد التعامل مع حزب الله جزءًا من واقع يجب احتواؤه بل عقبة أساسية أمام النظام المطلوب.

تطور المسار التفاوضي في خلال السنتين الأخيرتين يعكس قناعة لدى الدولة الراعية، أي واشنطن، بأن الاستقرار الحدودي لن يكون مضمونا عبر ترتيبات عسكرية موقتة فقط، بل بإعادة حصر القرار الأمني والعسكري بالدولة اللبنانية.

ففي اتفاق تشرين 2024 كان يتم التعامل مع حزب الله باعتباره طرفاً قائماً يجب ضبط حركته. وفي تفاهم نيسان بدأ الانتقال إلى تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي نشاط عسكري ضد إسرائيل. أما في إعلان أيار فأصبح الهدف إنهاء أي دور عسكري مستقل للحزب في لبنان، وتثبيت فصل لبنان عن المحور الإيراني.

على المستوى اللبناني، تضمنت الوثائق الثلاث مفهوم “السيادة” في نصوصها لكن بخلفيات مختلفة. في اتفاق تشرين السيادة كانت في تثبيت الاستقرار، منع الاعتداءات، وتعزيز حضور الجيش جنوباً. في تفاهم نيسان باتت السيادة مرتبطة بمنع استخدام الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل. أما في مسودة ورقة أيار فترتبط السيادة باحتكار الدولة للسلاح وإنهاء أي قوة عسكرية موازية.

احتمالات مستقبلية

مع إعلان جولة جديدة من المفاوضات على مسارين: أمني-عسكري يتولاها البنتاغون، وسياسي عبر وزارة الخارجية الأميركية، يقف لبنان أمام سيناريوهات عدة:

  • تسوية تدريجية تقول بتثبيت وقف النار، تعزيز الجيش، وإدخال حزب الله في مرحلة احتواء تدريجي ضمن معادلة داخلية جديدة.
  • صدام سياسي داخلي مع رفض قوى لبنانية للمسار باعتباره مقدمة لتطبيع سياسي وأمني مع إسرائيل.
  • انهيار التفاهمات في حال اعتبرت إسرائيل أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تنفيذ التعهدات الأمنية.
  • تجميد الوضع لفترة طويلة الأمد، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً حالياً، حيث تستمر الهدنة من دون حل جذري لمسألة السلاح والعلاقة مع إسرائيل.

في الخلاصة، تكشف المقارنة بين الأوراق الثلاث عن انتقال تدريجي من إدارة التصعيد إلى مشروع “سياسي – أمني” أوسع لإعادة تعريف الدولة اللبنانية ودورها الإقليمي، وربط إعادة إعمار لبنان ودمجه في النظام الإقليمي الجديد، بقدرة الدولة على احتكار القوة العسكرية.

وبين من يرى في ذلك فرصة لإنقاذ لبنان واستعادة الدولة، ومن يعتبره محاولة لتحييد لبنان وعزل حزب الله وإخراجه من معادلة الردع الإقليمية، تبقى المفاوضات مرهونة بتوازنات داخلية وإقليمية لم تُحسم بعد.

فهل يمكن بناء دولة ذات سيادة كاملة بوجود سلاح خارجها؟ أم أن أي محاولة لنزع هذا السلاح في ظل التهديدات الإقليمية ستؤدي إلى انفجار داخلي جديد؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك