رسالة الى الرئيس جوزاف عون… هل ما زال بالإمكان إنقاذ الدولة وبناء الأمة؟

الفرصة لا تزال موجودة، لكن الوقت لم يعد مفتوحًا إلى ما لا نهاية

بقلم د. محمد عبدالجليل غزيّل – خاص بوابة بيروت

تحدث مؤخراً فخامة الرئيس جوزيف عون عن الحاجة إلى إعادة إحياء “العقد الاجتماعي” بين الدولة اللبنانية والمواطنين، مؤكداً أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها لبنان ليست فقط أزمة اقتصادية، بل أزمة ثقة عميقة بين الشعب والدولة.

وأشار إلى أن أي مشروع إنقاذي لا يمكن أن ينجح ما لم تستعد الدولة صدقيتها وقدرتها على احتضان اللبنانيين ضمن مشروع وطني جامع يشعر فيه المواطن بالأمان والانتماء والعدالة. فالدول لا تستمر فقط عبر مؤسساتها، بل عبر الثقة التي تربط الناس بها، وعندما تتآكل هذه الثقة، يبدأ الوطن نفسه بالدخول في مرحلة هشاشة وجودية تهدد استقراره ومستقبله.

ما تفضلت به يا فخامة الرئيس هو في غاية الأهمية، وخاصة إذا كان صادراً من المؤسسة السيادية، ولو جاء متأخراً؟

فمنذ عقود، يعيش لبنان أزمة تتجاوز حدود الانهيار الاجتماعي والسياسي، لتصل إلى انهيار العلاقة الجوهرية بين الدولة اللبنانية والمجتمع. فالمشكلة الأخطر التي تجاهلتها الحكومات اللبنانية المتعاقبة ليست فقط أزمة إدارة أو فساد أو انهيار مالي، بل أزمة “العقد الاجتماعي” نفسه، أي الاتفاق الضمني الذي يربط الدولة بالمواطن، ويؤسس لعلاقة قائمة على الثقة، والعدالة، والحقوق، والواجبات، والانتماء للدولة.

لقد فقد اللبناني ثقته بالدولة، وفقدت الدولة شرعيتها المعنوية لدى جزء كبير من الشعب. المواطن لم يعد يشعر أن الدولة تحميه، أو تؤمن له الحد الأدنى من الكرامة والعدالة والخدمات والفرص. وفي المقابل، تحوّلت الدولة إلى هيكل سياسي هش تحكمه التوازنات الطائفية والمحاصصات والمصالح الضيقة، بدل أن تكون دولة مواطنة ومؤسسات.

اليوم، لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد أزمة حكومة، بل أزمة وطن يبحث عن نفسه، وأمة فقدت الرابط الذي يجمعها تحت مفهوم الدولة الواحدة.

سقوط العقد بين الدولة والشعب

فشلت الحكومات اللبنانية المتعاقبة في بناء علاقة صحية ومستقرة بين الدولة والمواطن. فمنذ الاستقلال، أُدير لبنان وفق نظام طائفي كرّس الانقسامات أكثر مما عزّز مفهوم المواطنة. تحوّلت الطوائف إلى كيانات سياسية واقتصادية واجتماعية بديلة عن الدولة، وأصبح الولاء للزعيم أو الحزب أو الطائفة يتقدم على الولاء الوطني.

اتفاق الطائف، الذي كان يفترض أن يشكّل نقطة انطلاق لبناء دولة حديثة بعد الحرب الأهلية، انتهى إلى تكريس التوازنات الطائفية بدل إلغائها تدريجياً. وبمرور الوقت، أصبحت كل مؤسسات الدولة خاضعة لمنطق المحاصصة، حتى بات اتخاذ أي قرار وطني رهينة التوافقات الطائفية والإقليمية.

ومع الانهيار الاقتصادي الأخير، انكشف عمق الفشل من انهيار العملة، وتفكك الطبقة الوسطى، ارتفاع نسب الفقر والهجرة، وانهيار الخدمات الأساسية، وتراجع ثقة المواطن بكل مؤسسات الدولة.

الأخطر من ذلك، أن الدولة فشلت في حماية فكرة “الوطن” نفسها. فلم تُبنَ ذاكرة وطنية موحدة، ولا هوية جامعة، ولا رؤية سيادية مشتركة. كل طائفة احتفظت بروايتها الخاصة للتاريخ، وبمخاوفها وتحالفاتها ومصالحها، بينما غابت الرواية الوطنية الجامعة. ولكن المحاولة ما زالت متاحة، اذا توحّدت الجهود.

ما الذي كان يجب على الحكومة أن تفعله؟

إن العمل على استعادة الثقة بين الدولة والشعب اللبناني ليس بسهلاً يا فخامة الرئيس. فمنذ توليكم رئاسة الجمهورية، كان يفترض على الحكومة اللبنانية الجديدة أن تبني الرؤية بما يخص العقد الاجتماعي، وأن تدرك أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط من الاقتصاد كما تفضلتم، بل من إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والشعب.

كان المطلوب إطلاق مشروع وطني شامل يبدأ من المدى القصير لاكتساب ثقة مبدئية، ثم الاستمرار على المدى المتوسط والطويل الأمد لإحياء العقد الاجتماعي اللبناني. حيث سيرتكز بإختصار على عدة محاور أساسية:

أولاً، استعادة الثقة بالدولة

لا يمكن إعادة بناء أي وطن من دون استعادة ثقة المواطن بمؤسساته. وهذا يتطلب، مكافحة فعلية للفساد، دون الرجوع الى أي مرجعية حزبية. فالقرار السيادي هو سيد نفسه، واستقلال القضاء، والشفافية في إدارة المال العام، ومحاسبة حقيقية للمسؤولين. فالدولة التي لا تحاسب الفاسدين تفقد شرعيتها الأخلاقية والسياسية.

ثانياً، بناء دولة المواطنة

كان يفترض بالحكومة أن تبدأ تدريجياً بفك ارتباط الدولة بالمحاصصة الطائفية، وتعزيز مفهوم المواطنة المتساوية أمام القانون. فالعقد الاجتماعي لا يمكن أن يقوم بين الطوائف والدولة، بل بين المواطن والدولة.

ثالثاً، إصلاح التعليم وبناء الوعي الوطني

لبنان بحاجة إلى مشروع تربوي وثقافي يعيد صياغة الهوية الوطنية الجامعة، من خلال مناهج تعليمية حديثة، وتوحيد الرواية التاريخية، تعزيز التربية المدنية، وترسيخ مفهوم الانتماء الوطني فوق الانتماءات الضيقة.

رابعاً، إعادة بناء الخدمات العامة

أي عقد اجتماعي يقوم على التزامات متبادلة. فلا يمكن مطالبة المواطن بالولاء لدولة عاجزة عن تأمين الكهرباء، والتعليم المتطوّر، والصحة، والبنية التحتية، وفرص العمل. إن إعادة بناء الخدمات العامة ليست مسألة تقنية فقط، بل هي إعادة بناء لهيبة الدولة وثقة الناس بها.

خامساً، إطلاق حوار وطني حقيقي

كان يفترض إطلاق حوار وطني فكري وسياسي يعيد تعريف دور الدولة، ومفهوم السيادة كدولة ومواطن. فالسيادة لا تُفصّل حسب المصلحة الخاصة، وشكل النظام السياسي. فالنظام الحالي للبنان اليوم لم يعد ينفع، والمفضل اعادة تأسيسه ليتناسب من متطلبات ورغبات الأجيال الشابة، والعلاقة بين المواطن والسلطة. فلبنان لم يخض حتى اليوم نقاشاً جدياً حول أي دولة يريد اللبنانيون بناءها.

من المسؤول عن قيادة عملية الترميم؟

مسؤولية إعادة بناء العقد الاجتماعي لا تقع على جهة واحدة فقط، بل هي مسؤولية وطنية شاملة. لكن القيادة تبدأ من رئاسة الجمهورية بالدرجة الأولى، ورئاسة الحكومة، ومجلس النواب، والقضاء، والمؤسسات التربوية والثقافية، والإعلام، والجامعات، والمجتمع المدني.

غير أن الدور المحوري يبقى للسلطة التنفيذية، وخصوصاً رئاسة الحكومة، التي يفترض أن تتحوّل إلى مركز قيادة استراتيجية لإعادة بناء الدولة، لا مجرد إدارة للأزمات اليومية. فنحن جميعاً بحاجة إلى قيادة تمتلك رؤية سيادية، ومشروعاً وطنياً، وإرادة سياسية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. والمرحلة لم تعد تحتمل إدارة مؤقتة للانهيار، بل تتطلب مشروع إنقاذ وطني شامل.

كان يفترض أن تشكل المرحلة الحالية لحظة تاريخية لإعادة تأسيس لبنان، لا مجرد محاولة لاحتواء الانهيار. كان يفترض:

• الانتقال من دولة الطوائف إلى دولة المواطنة.
• ومن الولاءات الخارجية إلى القرار السيادي.
• ومن الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي.
• ومن الزبائنية إلى المؤسسات.
• ومن الانقسام إلى الهوية الوطنية الجامعة.

وكان يجب أن يشعر اللبناني لأول مرة منذ عقود أن هناك دولة تعمل لبناء مستقبل مشترك، لا لإدارة التوازنات السياسية فقط. رغم حجم الانهيار، لا يزال لبنان قادراً على النهوض، لكن ذلك لن يتحقق ضمن العقلية السياسية التقليدية نفسها.

فلبنان يمتلك طاقات بشرية هائلة، ونخبة فكرية وثقافية متقدمة، وقطاعاً اغترابياً قوياً، وموقعاً استراتيجياً مهماً.

لكن كل هذه المقومات تُهدر بسبب غياب الدولة الحديثة. إن إنقاذ لبنان يبدأ أولاً بالاعتراف أن لا دولة من دون عقد اجتماعي حقيقي، ولا عقد اجتماعياً من دون عدالة، ولا عدالة من دون سيادة القانون، ولا مستقبل من دون هوية وطنية جامعة. إن الطريق إلى إنقاذ لبنان يبدأ بإعادة بناء الإنسان اللبناني قبل إعادة بناء المؤسسات. ومن خلال إعادة إحياء مفهوم المواطنة، والمسؤولية المدنية، والانتماء الوطني.

فالدولة لا تُبنى فقط بالقوانين والدساتير، بل بثقافة وطنية تُؤمن بأن مصلحة الوطن فوق المصالح الطائفية والحزبية والشخصية. نحتاج اليوم إلى ثورة وعي، لا فقط إلى إصلاح سياسي. ثورة تعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ولمفهوم العقد الاجتماعي، وللعلاقة الطبيعية بين المواطن والوطن.

لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تسقط فقط بسبب الحروب، بل بسبب انهيار الثقة بين الدولة وشعبها.

ويبقى السؤال الأهم، هل يمتلك اللبنانيون، قبل السياسيين، الإرادة الجماعية لإعادة بناء وطن حقيقي؟

الفرصة لا تزال موجودة يا فخامة الرئيس، لكن الوقت لم يعد مفتوحاً إلى ما لا نهاية.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك