
مدير التحرير
بين #السيادة و #السلاح : ملامح #لبنان الجديد تتبلور
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DrMichelCHAMMAI
تثير تقلّبات المشهد السياسي ريبة في مدى قدرى الاستقرار الهشّ في الميدان على التّجاوب مع ما تقتضيه الحركة الديبلوماسيّة. ولكن تبقى الكلمة الفصل للظروف التي يفرضها الميدان الحربي. فبنهاية المطاف نحن نواجه معركتين بواحدة: الميدان والديبلوماسيّة. ولكن المؤسف في هذا الواقع المرير أنّ منظّمة حزب الله تختار الانغماس أكثر في المعركة الأكثر قتلا وموتًا ودمارًا، وترفض المسار الديبلوماسي الذي يحاول فخامة رئيس الجمهوريّة اعتماتده حقنًا للدّماء.
من القنبلة السيادية إلى استهداف الضاحية: أسبوع على وقع الرسائل المتبادلة
ما لبث أن اختتم الأسبوع الماضي بقنبلة سياديّة فجّرها كلّ من فخامة رئيس الجمهوريّة ودولة رئيس الحكومة حتّى انتهت ساعاته الأخيرة باستهداف في قلب ضاحية بيروت الجنوبية. وهذا ما أشرنا إليه في افتتاحية موقعنا يوم السبت، حيث من المتوقّع أن تستثمر منظّمة حزب الله أو إيران في عمل نوعي ميداني في محاولة لقلب الأوراق، مع وضعنا دومًا فرضيّة عدم وجود أي خطّ أحمر للإسرائيلي. وهكذا كان.
استهداف الضاحية وإشكالية السلاح: معادلة النار المستمرة
أعاد الإسرائيلي باستهدافه ضاحية بيروت الجنوبية التّذكير بأنّ كلّ الحديث عن أيّ وقف لإطلاق النّار هو ساقط بسبب عدم زوال سبب إطلاق النّار، أي سلاح منظّمة حزب الله. بينما المنظّمة أصبحت ترى بعد الاحتلال الإسرائيلي لجزء من الأراضي اللبنانيّة أنّ وجود سلاحها بات وجودًا مبرّرًا بسبب الاحتلال. فيما الاثنان يتغاضيان عن سبب وجودهما الحقيقي على الجغرافيا اللبنانيّة، ألا وهو عدم وجود دولة سيّدة حرّة ومستقلّة على كامل الـ10452 كلم².
الهجوم الإعلامي الإيراني على رئاسة الجمهورية: معركة الشرعية والسيادة
يستمرّ محور إيران بحشد جيوشه الإعلاميّة لمحاربة الشرعية في لبنان، وآخرها الاعتداء السافر الذي مارسته صحيفة “فرهيختكان” الإيرانية التي وضعت صورة مسيئة لفخامة رئيس الجمهوريّة اللبنانية، العماد جوزف عون، على صفحتها الأولى، وعلى جبهته صورة بنيامين نتانياهو معنونة بالخطّ العريض: “مسؤول مكتب بيبي في بيروت”. وبالطبع ما من داعٍ لمراقبة أبواق إيران في لبنان كيف اجترّت ما كتبته صحيفتهم الوطنيّة!
لكنّ الدولة تمضي في مسارها: بين الثبات الرسمي والتصعيد المضاد، وأمام ذلك الواقع المرير الذي أوصلتنا إليه المنظّمة ووليّ أمرها في لبنان، بدت الدّولة اللبنانيّة غير مكترثة على قاعدة أنّ قافلة الدّولة تسير والبقيّة معروف عملها.
الحياد الإيجابي الناشط: عودة مشروع الراعي إلى واجهة النقاش الوطني
ويلاقي الدّولة اللبنانيّة غبطة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مذكّرًا بمشروع الحياد الإيجابي النّاشط الذي طرح فكرته في 5 تموز 2020، ليعلن إطلاق المشروع رسميًا بوثيقة متكاملة في 17 آب 2020؛ حيث عرّف الراعي الحياد بأنّه ليس انعزالًا أو انسحابًا من القضايا العربية والدولية، بل “حياد ناشط” يسمح للبنان بالقيام بدور الوسيط وصانع السلام مع الامتناع عن الانخراط في المحاور والصراعات العسكرية. فأضاف في عظة الأحد: “لا يمكن للبنان أن يقوم بدوره ما لم تعلنه الأمم المتحدة دولة حيادية بمفهومها الإيجابي.”
لبنان الجديد بين المرجعيات السياسية والروحية
وهكذا بدأت تتّضح معالم لبنان الجديد، من أهمّ المرجعيّات السياسيّة والروحيّة في لبنان. ولقد لاقتها بعض المرجعيّات المدنيّة بدعوة من رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي، برونو فوش، وبحضور النائب كاترين إيبليد، حيث عُقدت الجمعة في باريس ندوة حول لبنان بعنوان “لبنان بين السلام والحرب: شرعية الدولة ودور المجتمع المدني”.
باريس تجمع «شيعة الدولة»: شرعية الدولة في مواجهة منطق الحرب
وجمعت الندوة ناشطين شيعة من الذين يُعرفون بـ”شيعة الدّولة” في مواجهة سيطرة حزب الله على قرار السلم والحرب في لبنان، من مناطق وخلفيات مختلفة. حيث نجح هؤلاء بالانتقال من المعارضة إلى المشروع تحت عنوان: رؤية “شيعة الدولة” للبنان.
شارك في الندوة حضوريًا وفد ضمّ الدكتور أحمد ياسين، والصحافي بلال مهدي، والدكتور علي خليفة، والدكتورة لينا حمدان، والصحافي محمد بركات، والصحافية مريم سيف الدين.
كما انضمّ إلى الندوة عبر تقنية “Zoom” كلّ من العميد المتقاعد في الجيش اللبناني محمد سبيتي، والعلامة الشيخ محمد علي الفوعاني، والدكتور هادي مراد، والناشط محمود شعيب، حيث جرى التداول في القضايا المطروحة ومناقشة عدد من الملفات ذات الاهتمام المشترك.
ويرفض هؤلاء اختزال تعريفهم بـ”معارضين لحزب الله”، إذ يؤكدون أنهم أصحاب رؤى ومشاريع سياسية، ويرون أن حزب الله هو الذي يشكّل اعتراضًا على مشروع الدولة وخيار اللبنانيين بالبحث عن الخلاص والخروج من حالة الحرب العبثية المستمرة إلى حالة الاستقرار والسلام وبناء الدولة.
السلام والمواطنة والتنمية: رؤية الدكتور علي خليفة لمستقبل الطائفة الشيعية
تحدّث أستاذ المواطنة في الجامعة اللبنانية والناشط السياسي د. علي خليفة في مداخلته عن السلام كخيار استراتيجي وسياسي وأخلاقي وبناء الدولة في لبنان، طارحًا رؤيةً سياسية واجتماعية. حيث اعتبر خليفة أنّه “يمكن أن تنشأ سردية سياسية بديلة للطائفة الشيعية بتطلعها إلى المستقبل من خلال منظور التنمية والمواطنة وبناء المؤسسات في مجتمع آمن يحظى بالسلام الدائم. فالثقافة التي نريدها للطائفة الشيعية في لبنان تقوم على اعتبار التعليم وسيلة للتمكين الاجتماعي، والاقتصاد أداة للتنمية، والمشاركة المدنية مدخلًا للإصلاح السياسي.”
التعليم وبناء ثقافة السلام: مواجهة سردية ولاية الفقيه
وركّز أيضًا على أن “السلام يُبنى في العقول، لذلك فالمدرسة التي يتعلّم فيها أبناء الشيعة أولوية، وينبغي التركيز فيها على تنمية مهارات التفكير النقدي والعلمي في إطار القيم اللبنانية المنفتحة على التنوع والحريات.”
واستكمل خليفة انطلاقًا من أبحاثه في المواطنة معتبرًا أنّه “ليس المقصود هنا إلغاء الخصوصيات الثقافية أو الدينية، وإنما إلغاء تدريس ولاية الفقيه التي تخلّ بالنظام العام في لبنان لأنها تنتزع أطفال الشيعة من انتمائهم الوطني فتجعلهم يتربون في مدارس حزب الله في لبنان كما يتربى أطفال الثورة الإسلامية في إيران؛ وهذا ليس من حرية التعليم في لبنان ولا ينسجم مع المجتمع اللبناني وقيمه!”
الشيخ الفوعاني: الدولة المرجع الجامع وسيادة لبنان أولوية
وبدوره، قال سماحة العلامة الشيخ محمد علي الفوعاني: “إنّنا نؤمن بأن الطائفة الشيعية في لبنان شريكٌ كاملٌ في بناء الدولة والوطن، لا تابعةٌ لأحد ولا محتكرةٌ من أحد. ونضع كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمن والحرية فوق كل اعتبار سياسي أو عسكري أو حزبي”، معربًا عن تمسّكه بسيادة لبنان ووحدة قراره الوطني، وإيمانه بأن الدولة ومؤسساتها الشرعية هي المرجع الجامع لجميع اللبنانيين.
التعددية والحرية والتنمية: نحو توجيه الطاقات بعيدًا من الحروب والصراعات
كما رفض سماحته التخوين والإقصاء واحتكار التمثيل، وأعلن إيمانه بحقّ التعددية والاختلاف وحرية الرأي داخل المجتمع الشيعي وخارجه. واختتم كلمته معلنًا العمل على توجيه طاقات أبناء الطائفة نحو العلم والتنمية والاقتصاد والثقافة، بدل استنزافها في الصراعات والحروب.
إعادة الإعمار بين الشفافية وكسر الاحتكار السياسي
كما استعرض الناشط السياسي من بلدة الناقورة في قضاء صور، الأستاذ بلال مهدي، رئيس تحرير موقع بوابة بيروت، خطة إنشاء هيئة وطنية لإعادة الإعمار، تكون برئاسة رئيس الحكومة اللبنانية، وتتولى الإشراف على جميع الدراسات والخطط التمهيدية لعملية إعادة الإعمار.
وأوضح أن الخطة تتضمن إطلاق منصة إلكترونية متخصصة تتيح للمواطنين التواصل المباشر مع الهيئة والجهات المعنية بالإعمار، بما يضمن أعلى مستويات الشفافية والمساءلة، ويحول دون وقوع المتضررين تحت رحمة “تجار الهيكل”، على حدّ وصفه.
وعرض مهدي رؤيةً متكاملة لكيفية إعادة إعمار ما تهدّم نتيجة الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات التي تسبّب بها القرار الاستراتيجي الخاطئ الذي اتخذته منظمة “حزب الله” في حروبها الاسنادية – الانتقامية الثلاث.
وقد اعتبر مهدي في مداخلته أنّ تجارب إعادة الإعمار السابقة أدّت إلى تكريس الاحتكار السياسي وتوظيف المساعدات لأهداف حزبية، ما مكّن قوى الأمر الواقع في الجنوب اللبناني من استثمار معاناة الجنوبيين واستغلال حاجاتهم، وصولًا إلى التأثير في خياراتهم السياسية وتوجيه أصواتهم خدمةً للمشروع الإيراني في المنطقة. وبعيدًا من الصناديق التي تحوّلت خلال تلك السنين إلى ما يشبه مغارة علي بابا.
وهذا ما سيضمن ترسيخ مبادئ الشفافية في الإنفاق، وتحقيق العدالة والتوازن في توزيع المشاريع، وتأمين إعادة بناء البنية التحتية والمنازل المتضرّرة وفقًا لمعايير واضحة وعادلة بعيدًا من أي استنسابية أو استغلال سياسي.
وتجدر الإشارة إلى أنّ طرح مهدي لاقى اهتمامًا واستحسانًا من الجهات الفرنسية المشاركة، التي أبدت استعدادها لمتابعته ومناقشته مع الدول المعنية في الاتحاد.
ومن المرتقب أن يُستكمل هذا الطرح بلقاءات لاحقة، تمهيدًا لوضع آليات عملية لإعادة الإعمار وتأمين عودة الأهالي إلى منازلهم من دون أي منّة سياسية أو حزبية، وبما يحفظ كرامتهم ويحول دون استخدام المساعدات وسيلةً لشراء الولاءات أو التأثير في خياراتهم الوطنية.
مؤشرات التحوّل: من لبنان المحاور إلى لبنان الدولة والسلام
تتداخل في المشهد اللبناني مؤشرات سياسية وروحية ومدنية توحي ببدء تشكّل خطاب سياسيّ جديد يرتكز على الدولة والسيادة والسلام والحياد الإيجابي الناشط، في مواجهة مشاريع المحاور والسلاح والحروب المفتوحة، بما يرسم ملامح نقاش وطني متجدد حول هوية لبنان ودوره ومستقبله حيث بدأت صورة لبنان الجديد بالتجلّي والتحوّل من المجرّد إلى المحسوس. فهل ستستطيع هذه الجهود أن تتداعى وتتعالى وتتكامل لتشكّل معًا رافعة لبنان الجديد؟ أم أنّ شبح الانقسامات والاستئثار بالمراكز سيهدّد حركتها السياسيّة لتتكرّر حركة تاريخ جرثومة السلطة الخبيثة في لبنان مرّة جديدة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير