سويسرا الشرق اليوم في سويسرا الغرب

خاص بوابة بيروت

يبدو عمليًّا أنّ هذه الجولة ممّا بعد ورقة التفاهم، التي تنعقد في سويسرا (الغرب)، أنّ الملفّ اللبناني ولبنان (سويسرا الشرق) بمعضلاته كلّها، سيكون الطبق الأدسم على طاولة هذه المفاوضات.

لكن بونٌ كبير أن يذهب لبنان مكسورًا إلى مفاوضات تمّ إرساء وقف إطلاق النّار فيها على ما قبل الضربة الكبرى؛ وأن يكون لبنان ذاهبًا بأوراق قوّته المتمثّلة بقدرة الشرعيّة على إثبات ذاتها، وعلى أن تكون هي وحدها المفاوض الشرعي باسم اللبنانيين جميعهم. المطلوب اليوم عدم العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر 2023، لا بل الانطلاق إلى ما هو أبعد.

استحقاق الدولة: من القرار إلى التنفيذ

وللوصول إلى ما هو أبعد يجب تحرير الدّولة العميقة من خلال إرساء الانسجام بين هذه الدولة العميقة والسلطة السياسية. ولقد بات واضحًا أنّ الدّولة العميقة لا تزال تمثّل فريق إيران في لبنان. ولا يمكن الاستمرار بالستاتيكو الحالي كما هو. بعدما تمّ اتّخاذ القرار السياسي الصحيح، يجب الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. وهذا التنفيذ يكون من خلال المؤسّسات التنفيذيّة والقضائيّة والأمنيّة والعسكريّة، وكلّ المؤسسات ذات الصلة. وهذا ما يبدو حتّى الساعة غير قابل للتطبيق.

الورقة السورية واختبار الولاءات

ولعلّ هذا ما دفع بالرئيس الأميركي أكثر من مرّة إلى التلويح باعتماد الورقة السوريّة في لبنان. إذ أوعز بطريقة غير مباشرة إلى الرئيس الشرع بالدّخول إلى لبنان لمحاربة منظّمة حزب الله. وهذا ما يرفضه الشرع حتّى الساعة. ولعلّ ذلك أيضًا ما يضع الحكم الفتي في سوريا تحت مجهر اختبار الولاء للذي دعمه في الوصول إلى الإطاحة بحكم الأسد البعثي. فهل سيتمّ إثارة الخلافات من جديد في الدّاخل السوري لممارسة الضغط على الرئيس السوري بعدما أعلن رفضه الصريح لهذا الطلب؟

معضلة الدولة بين الحاجة الوطنية والهواجس الإقليمية

لكن تبرز في هذا السياق إشكاليّة جديدة. إذ يعتبر بعضهم أنّه لو توصّلت مفاوضات واشنطن إلى نتيجة، لكانت الدّولة اللبنانية، انطلاقًا من حاجة لبنان الوطن، قد توصّلت إلى دولة فعلية؛ بغضّ النّظر عن ذهاب بعضهم إلى العامل الإسرائيلي. الذي بات بنظر بعض المنضوين في المحور الإيراني أخفّ وطأة من إدخال الشرع في الصراع مع منظّمة حزب الله نتيجة للموبقات التي ارتكبتها هذه الأخيرة بحقّ الشعب السوري طوال أكثر من عشر سنوات من المشاركة في حرب سوريا. لكن هذه الإشكاليّة بالذّات تعود إلى قلب الهيكليّة المؤسّساتيّة في لبنان التي لم ترقَ إلى حدّ كونها دولة راشدة ومكتملة الأركان.

حين تفقد سويسرا الشرق مقوّمات الدولة

ولعلّ هذا ما جعل من سويسرا الشّرق بلدًا فاقدًا مقوّمات الوجود. ولم يكن لذلك أن يحصل لو أنّ الدّولة اللبنانيّة بمؤسّساتها مجتمعة مارست أحقّيّة وجودها. ولا يمكن لأيّ فريق سياسي في لبنان أن يكون فريقًا متفوّقًا على الدّولة. حتّى لو حاول هذا الفريق، أي فريق إيران، استعمال شارعه الهزيل والمنهك والمكلوم بسبب قراراته الاستراتيجيّة الغبيّة. ما يجب أن يدركه هذا الشارع أنّه لكلّ شارع، شارع، لا بل شوارع مقابله موجودة.

سقوط الطروحات الانقلابية والحاجة إلى عقد سياسي جديد

أمّا الطّروحات التي تفضي إلى انقلابات دستوريّة “دوحويّة” فهي طروحات ساقطة بفعل القوّة الدّستوريّة التنفيذيّة والتشريعيّة. ولعلّ هذا ما يجب أن يؤدّي إلى طرح جديد من خلال إعادة النّظر بالتركيبة اللبنانيّة. وهذا ليس رأيًا سياسيًا شخصيًا، إنّما هو طرح ناجم عن اختبار للواقع الذي أثبت فشله. لذلك يجب العمل على إرساء نظام سياسي يسمح بوطن قابل للحياة. فهذا أمر لا مفرّ منه.

إعادة الإعمار: مسؤولية إيران لا منّة على البيئة الحاضنة

وذلك لن يتأثّر بأموال إيرانيّة مفرج عنها لصالح حزب الله لبثّ الحياة في شرايين المنظّمة من جديد. المنطق يقول إنّ إيران يجب أن تدفع الأموال لإعادة الإعمار لأنّها هي التي تسبّبت بما حدث في لبنان، لا أن يتمّ “فدلالة” هذه الأموال لصالح بيئة المنظّمة فقط. فبنهاية المطاف حرب المنظّمة لم تقتصر عليها فقط، بل شملت الوطن اللبناني بأسره.

طريق الخلاص: واشنطن لا هرمز

ولعلّ ما سيحدث في سويسرا الغرب لا يعدو كونه عمليّة فتح هرمز مقابل فكّ الحصار الأميركي، والباقي هو وعود لن تصحّ بسبب الخلاف الأميركي ـ الإيراني الواضح للعيان. أميركا لم تنتصر وإيران لم تخسر. وهذا ما يودي بنا إلى الاستنتاج بأنّ ورقة التّفاهم هذه هي ورقة هشّة، قدرة صمودها طوال الستين يومًا المقترحة هي قدرة هشّة.

فنحن بتنا في فترة اختبار مدّتها ستّين يومًا في جنوب لم يدخل حيّز وقف غطلاق النّار مؤهّل لتفجير هذه الورقة في أيّ لحظة.

وضعيتنا في لبنان لها علاقة بالعامل الإسرائيلي، وبالتالي لا ترتبط بمسار سويسرا الغرب. فالإشكاليّات اللبنانية هي هي. ومسار إسلام آباد يعمّق مشاكلنا. أمّا ما يوصل إلى الحلول فهو المسار الذي تسير فيه الدّولة اللبنانيّة في مفاوضات واشنطن المباشرة. وهذا المسار وحده قد يعيد سويسرا الشرق من بوّابة سويسرا الغرب.

المفاوضات الدولية انتقلت إلى أزمة الدولة اللبنانية ثم إلى الورقة السورية وإعادة بناء الدولة وصولًا إلى احتماليّة إعادة سويسرا الشرق من بوّابة سويسرا الغرب. لذلك، وجب علينا عدم المبالغة في خفايا هذه الورقة، ولا سيّما مع استمرار الوتيرة الأميركيّة بالتّصاعد من خلال العقوبات التي تمّ فرضها على حلفاء سوريا السرمديّين. والقادم من الأيّام كفيل بكشف كلّ شيء. فلنترقّب وننتظر.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك