
مدير التحرير
ورقة تفاهم ترسم ملامح المرحلة المقبلة
خاص بوابة بيروت
لا يختلف اثنان حول أهمية التفاهم الذي تمّ بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران، والذي يُفترض أن يُوقَّع نهار الجمعة المقبل. وتكمن أهمية هذه الورقة في أنّها أعلنت نوايا الطرفين، والهدف منها الوصول إلى اتفاق سلام شامل يضمن الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
وهذا ما يعني، بصورة أو بأخرى، تسريع مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، التي من المفترض أن تُعقد جولتها المقبلة في 22 الجاري في واشنطن.
إيران بين صورة المنتصر وواقع الخاسر
منذ الحديث عن هذه الورقة والإعلان عن توقيعها المرتقب يوم الجمعة، انهالت التحليلات، ولا سيما حول الملف اللبناني، حيث أعطاها بعض المحلّلين بعدًا إيرانيًا استثنائيًا. غير أنّ المراقبة الدقيقة تُظهر أنّ الجانب الإيراني هو الخاسر الأكبر، خلافًا لما توحي به بعض الأوساط السياسية.
فقد حدّدت هذه الورقة مسار النظام الإيراني في الشرق الأوسط الجديد، ووضعت شروطًا قاسية على الجمهورية الإسلامية، ربطتها بسلوك النظام والأذرع التي يشرف عليها، والتي من خلالها يفرض نفوذه في الساحة الشرق أوسطية.
ولادة “إيران الجديدة”
بمعنى آخر، تحدّد هذه الوثيقة سلوك النظام الإيراني الحالي، وتمهّد لولادة “إيران الجديدة”: إيران غير نووية، وإيران بلا قدرة على التأثير المباشر في دول الشرق الأوسط كما كان الحال سابقًا، وإيران غير قادرة على التحكم بمسارات الاقتصاد العالمي من خلال التلويح بإقفال مضيق هرمز أو استخدامه أداة ضغط على القوى الكبرى.
وباختصار، ستكون إيران الجديدة خاضعة لرقابة دولية صارمة، ولا سيما أميركية، نتيجة اختيارها خلال العقود الماضية مسارًا معاكسًا للقواعد الناظمة للعلاقات بين الدول.
كما يُفترض أن تتحوّل إلى دولة صديقة للولايات المتحدة الأميركية وعنصر غير مشاغب في المجتمع الدولي، تمهيدًا لاكتساب ثقة هذا المجتمع، لتصبح شريكًا منافسًا ضمن قواعد الحرية والاستقرار والسلام.
حق الوجود مقابل الانضباط السياسي
لكن ينبغي الإشارة إلى أنّ ما حققته إيران الجديدة هو ضمان بقائها دولة مستقلة داخل المجتمع الدولي. فحق الوجود الإيراني سيصبح مرتبطًا بالسلوك المنضبط الذي ستتبعه الدولة الإيرانية في المرحلة المقبلة.
وهذا ما يُبقي السيف مصلتًا وجاهزًا للاستعمال في أي لحظة يخرج فيها هذا السلوك عن الأطر التي رسمها النظام الدولي.
والحديث عن إيران هنا ينسحب أيضًا على جميع القوى التي تدور في فلكها السياسي. فإذا كانت هذه القوى عامل استقرار داخل بيئاتها ومحيطها، أمكنها الاستمرار، أمّا إذا استمرت في لعب أدوار تصادمية، فإنها ستجد نفسها أمام مخاطر وجودية حقيقية.
ولعلّ في هذا المشهد ما يذكّر بما جرى بعد انتهاء الحرب الباردة، حين اضطرت دول وتنظيمات عديدة إلى إعادة تموضعها السياسي بما يتوافق مع التوازنات الدولية الجديدة، وإلا وجدت نفسها خارج المعادلة.
حزب الله بين الاندماج والمواجهة
ويعني هذا المسار أيضًا أنّ بقاء هذه القوى أصبح مرتبطًا بسلوكها في المرحلة المقبلة داخل الشرق الأوسط. ولعلّ أبرز هذه القوى منظّمة “حزب الله” في لبنان.
فإذا انخرط الحزب في المسار المؤسساتي، أي ضمن الدولة الشرعية ومؤسساتها، وهذا أمر مستبعد بالنّظر إلى الفكر العقائدي والولائي لإيران، فإنّ ذلك يبقى شأنًا داخليًا لبنانيًا. أمّا إذا قرر البقاء على صورته الحالية، كقوة تهيمن على الدولة أو تحتفظ بسلاح خارج الشرعية، فإنّ هذه المسألة لن تبقى مباحة أو مقبولة في المستقبل القريب.
مؤشرات من الأداء الإسرائيلي
وهذه ليست مجرّد تحليلات سياسية، بل معطيات برزت من خلال الأداء الإسرائيلي بعد الإعلان عن هذه الورقة. فإسرائيل لم تضبط سلوكها الميداني، بل استمرت في ما تقوم به، والأهم أنّها أعلنت صراحة، حسب ما ورد على لسان بعض القادة فيها، وما سرّبته بعض المصادر الإعلاميّة والصحافيّة أنّ ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران لا علاقة له بالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية.
وهذا ما يؤكد، عمليًا، صوابية مسار المفاوضات الذي يسير به فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزيف عون، والحكومة اللبنانية برئاسة دولة الرئيس القاضي نواف سلام.
كما ينفي احتمال فتح قنوات موازية للمسار الذي يقوده الفريق الحاكم. وهنا تحديدًا يُقصد المسار الذي جرى التلميح إليه عبر دولة رئيس مجلس النواب نبيه بري، إذ يبدو أنّه لا شرعية تعلو فوق شرعية الرئاستين الأولى والثالثة، فيما ستبقى شرعية الرئاسة الثانية معلّقة إلى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة.
التغيير السياسي والعسكري في لبنان
ليس ما يجري سوى بداية لمسار التغيير السياسي في لبنان، وهو تغيير سيواكبه، في القريب من الأيام، تحوّل على المستوى العسكري أيضًا.
وفي هذا السياق، يفسَّر استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، ورفض إسرائيل الانصياع لما ورد في هذه الورقة، واحتفاظها بحق الاستهداف كلما رأت خطرًا يهدد أمنها.
وفي المقابل، أبقت منظّمة “حزب الله” لنفسها حقّ الرّدّ أو استهداف إسرائيل متى استطاعت إلى ذلك سبيلًا.
وهذا يعني، عمليًّا، أنّ إيران أنهت حربها مع الولايات المتحدة الأميركيّة، فيما بقيت منظمة “حزب الله” في حالة اشتباك مفتوح مع إسرائيل داخل لبنان.
من الحضور العسكري إلى الحضور السياسي
كما يشير هذا “التشذيب” الذي تعرّض له النفوذ الإيراني إلى أنّ الحضور العسكري والأمني لمنظّمة “حزب الله” سيتحوّل تدريجيًّا إلى حضور سياسي فقط.
على أنّ هذا الحضور السياسي لن يستند إلى وقائع تتجاوز الأطر الدستوريّة أو المؤسساتيّة، بل سيقتصر على ما تفرزه صناديق الاقتراع والعمليّة الديمقراطيّة في السنوات المقبلة.
ولعلّ هذا التحول ليس سابقة في التاريخ المعاصر؛ فقد شهد العالم تجارب مشابهة انتقلت فيها حركات وتنظيمات مسلحة إلى العمل السياسي عندما فرضت المتغيرات الدولية والإقليمية قواعد جديدة للعبة السياسية. ففي إيرلندا الشمالية تراجع دور الجيش الجمهوري الإيرلندي بعد “اتفاق الجمعة العظيمة”، وفي كولومبيا تحولت حركة “فارك” من تنظيم مسلح إلى حزب سياسي، كما شهدت جنوب أفريقيا ونيبال والسلفادور مسارات مماثلة، حيث أصبح صندوق الاقتراع بديلًا عن فوهة البندقية، والمؤسسات الدستورية بديلًا عن ساحات القتال.
هل سيعيد التاريخ نفسه؟
ووسط هذا المسار التغييري نحو المزيد من التقليم برز حديث الرئيس الأميركي في اجتماع الدّول الصناعية السبع وللمرّة الثالثة عن الضغط الذي ينوي ممارسته على إسرائيل، حتّى تقبل بأن يقوم الرئيس السوري أحمد الشرع بتأديب منظّمة حزب الله في لبنان.
ولا سيّما بعدما أتمّت إيران الصفقة على حساب منظّمة حزب الله في لبنان فباعتها لقاء ثلاثة حروب مدمّرة لتقبض ثمنها في هذه الورقة. بغضّ النّظر عن الانتصار المزعوم والموهوم الذي أعلنه الممانعون على أنقاض تاريخهم العاملي.
فبحسب الرؤية ” الترامبيّة” إنّ الرئيس السوري يستطيع القيام بهذه المهمّة أفضل من نتانياهو. فيما يبدو هذا الكلام تهديدًا واضحًا للساحة اللبنانيّة، إلّا أنّنا لا يمكن استبعاد فرضيّة أن يكون أيضًا تأنيبًا لنتانياهو بعدما تأخّر في تحقيق الأهداف التي وضعها.
لكن لا يمكن تجاهل هذه المسألة بوصفها زلّة من الزلّات “الترامبيّة”، بل هذه صفقة جديدة تعرض أمام الحائك الإيراني بهدف إغرائه أميركيًّا بالمزيد من تحرير أرصدته بعيدًا من ساحات النّفوذ الإقليمي.
وبالطّبع الإيراني سيقبل بأيّ شيء ولا سيّما إن كان دسمًا. فهل سيتكرّر التّاريخ بتقاسم النّفوذ في لبنان بين سوريا وإسرائيل اليوم، كما حصل إبّان مرحلة حرب الآخرين على أرضنا في العام 1976 مع الدّخول السوري و 1978 و 1982 مع الدّخول الاسرائيلي؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير