
مدير التحرير
بين الورق والميدان
خاص بوابة بيروت
الحرب مرفوضة مهما كانت أسبابها. والسلام مطلوب مهما كانت أكلافه. انطلاقًا من هذه المعادلة، نقارب ورقة التفاهم الأميركية-الإيرانيّة التي نصّت على مبادئ وقيم وجب اتّباعها طوال هذه الستين يومًا، ليُصار بعدها إلى استكمال هذا المسار توصّلًا إلى اتّفاق سلام شامل ومرتقب في المنطقة.
وهذا كلّه سيكون تمهيدًا لتثبيت الوجه الجديد للمنطقة الذي بدأت تتّسم معالمه من البوّابة اللبنانيّة إلى البوّابة الإيرانيّة.
ما حدث بين إيران والولايات المتّحدة الأميركيّة هو إعلان نوايا لا يرتقي إلى كونه اتّفاق سلام، لكن كما أشرنا يعتبر خارطة طريق إذا ما تمّ الالتزام ببنودها نصل حتمًا إلى هذا الاتّفاق.
لكن الشيطان يكمن في التّفاصيل، والعبرة في التنفيذ. وممّا يبدو من مسار الأحداث في بقيّة اليوم الأوّل، الاسرائيلي استمرّ بما يقوم به، وصرّح في أكثر من موضع بأنّ ما يحدث بين أميركا وإيران لا يعنيه (أي الاسرائيلي).
النوايا المكتوبة على الورق شيء والميدان شيء آخر مختلف تمامًا. وبالتّالي لا يمكن الاستناد فقط إلى ما تمّ تدوينه وتوقيعه إلكترونيًّا. كما يجب الانتباه إلى الأثمان التي دُفِعَت ليتمّ التوصّل إلى هذه الورقة.
والأهمّ من ذلك، من الذي أوعز في إيران إلى التّوقيع؟ أين المرشد مجتبى خامينئي؟ لماذا لا يدلي بأي تصريح مباشر؟
إذا ما دلّت هذه الأسئلة على شيء فهي تشير إلى مسألة واضحة لا تقبل الشكّ.إيران تتهاوى من الدّاخل. لا مرشد فيها. سواء أكان ميتًا أم أنّ الحرس الثوري عمل على إبعاده عن المشهد السياسي.
انقسامات واضحة نتيجة الاعتراضات التي تتعالى يومًا بعد يوم، ولعلّ أهمّها تلك التّظاهرة المرتقبة التي دعت إليها المقاومة الايرانيّة في باريس في العشرين من الشهر الحالي، والتي من المتوقّع أن يشارك فيها أكثر من مئة ألف شخص. كما تكمن أهمّيّة هذا الحراك الاعتراضي في إبراز حقّ الشعب الايراني في حرّيّة التغيير.
فالقمع الذي يواجهه الشعب في الدّاخل والذي سالت دماؤه أنهارًا انهارًا لا بدّ أن تزهر حرّيّة وتغيير وديموقراطيّة.
أمّا بالعودة إلى الميدان فلا يمكن التّغاضي عن أنّ مدافع الاسرائيلي وطائراته لم تتوقّف حتّى الآن. فضلًا عن أنّ منظّمة حزب الله استمرّت أيضًا بإطلاق صواريخها على إسرائيل. ولا يمكن التّغاضي عن أنّ التّباهي بالانتصار المزعوم هو مشؤوم.
ممّا لا شكّ فيه أنّ مفهوم الانتصار معتور عند هذه الجماعات. هل يعقل أن نعتبر هذا الكمّ من الدّمار والخسائر في البشر والحجر والاقتصاد والبنية المجتمعيّة والكثير من الأمور التي تمّ محوها من الوجود هو انتصار؟ هل يعقل ألّا نرى في دموع الثكالى وصراخ الأطفال ووجع المصابين ألمًا ألمّ؟ إن آن آنٌ فهو الآن. هذا هو وقت الحقيقة الصارخة. إن لم يعترف هؤلاء بهذه الحقيقة، لن يتحرّروا عملًا بمدأ: قولوا الحقّ والحقّ يحرّركم.
من هنا بالتّحديد، نكتب على ورق جديد ميثاقًا جديدًا ونطبّقه في الميدان الجديد الذي يجتمع فيه اللبنانيّون مع كلّ اختلافاتهم. مع فارق بسيط أنّ هذا الاجتماع بحاجة إلى إدارة جيّدة، وتنظيم سياسي محكم، وصيغة تؤمّن سيرورة الاستمرار على الاستقرار، وتحرّر لبنان من أتّون الاستقرار على الاستمرار ولو اضطرّ الأمر أن نعيش جِيَفًا على قارعة الطرقات وفي الوديان، ننتنظر مخالب نسر ثائر، لتنقذ ما تبقّى من لحم ودم للإنسان الذي تبقّى فينا. وهكذا نعيد إحياء الرّوح التي تعشعش فينا. فيبقى لبنان.
بين الورق والميدان بونٌ كبيرٌ. الكلام على الورق جميل جدًّا. أمّا الميدان فكلّه دماء ودموع ودمار. إيران تفاوض الشيطان الكبر. هذا حقّ مشروع لها. أمّا لبنان يذهب بشرعيّته ليفاوض الأصغر برعاية الأكبر فهذا عمل مرفوض لا بل محرّم بنظر دعاة الميدان.
ما تقوم به الدّولة اللبنانيّة هو الحفاظ على روح لبنان التي إن ماتت يموت الوطن.
يبقى أن نعيدها للمرّة المليار أنّ أيّ مسار في لبنان لن يكتب له النّجاح إلّا إن أصبحت الدّولة دولة واستعادت سيادتها بالكامل.
ومسار السيادة واضح المعالم يبدأمن جيش واحد، نظام واحد، دولة واحدة، وطن واحد، وشعب واحد.
فهل ستستطيع هذه الدّولة الفتيّة أن تستعيد الدّولة أم أنّنا بحاجة إلى قرار جريء يضع لبنان تحت البند السابع؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير