
مدير التحرير
ماذا بعد العودة إلى الحقيقة؟
خاص بوابة بيروت
أعلن عن وقف إطلاق النّار. فهبّ الجنوبيّون إلى قراهم. لكنّ هذه العودة لم تكن عودة إلى الجذور، أو عودة إلى الأصالة والتّاريخ، بل كانت عودة إلى الحقيقة. عودة إلى الواقع. منازل مدمّرة. جثث مرميّة يمنة ويسرة، بعضها نهشته الضّواري، وبعضها الآخر فقد معالم حقيقته.
ولكن الذي يؤلم أكثر من هذه الحقيقة هو ذلك الإرهاب الذي مورس على الجنوبيّين بمنعهم حتّى من البكاء على شهدائهم. لقد أجبروا على تسمية الشهيد بالـ “السعيد”، ممنوع أن تذرف الدّموع بالعلن، لكنّ هذه الدّموع قد غسلت دماء هؤلاء الشهداء سرًّا في جنح الظلام. وسُمِعَ دويّ كلمات “عواصف” جبران خليل جبران تتردّد على أفواه الأطفال وتعلو في سماء قرى بنت جبيل وصور والنبطيّة:
“مات أهلي وأنا على قيد الحياة ، أندب أهلي في مراكز النّزوح في وحدتي وانفرادي. مات أهلي وأحبائي، وغمرت الدموع والدماء هضبات بلادي”، بعد بكائي سرًّا، خوفًا من سلاحهم الإرهابي وسطوتهم على رقابنا إخوتي المتبقّين وأنا، مات أهلي جائعين، وخائفين، وحزينين، “ومن لم يمت منهم جوعًا فني بحدّ” مدافع الميركافا وصواريخ المسيّرات والطائرات، “وأنا في هذه البلاد القصية أسير بين قوم فرحين مغبوطين” علّموني أن أعتبرهم كفرة وخونة وصهاينة ومتأمركين. بينما الحقيقة أنّهم فرحين ومغبوطين، يحبّون لبنانهم والحياة فيه ولأجله. “يتناولون المآكل الشهية والمشارب الطيبة وينامون على الأسرّة الناعمة ويضحكون للأيام والأيام تضحك لهم”.
والأجدى في ذلك هو كيف يفرض عليهم التسويق للانتصار، واستيلاد خطاب التّهديد والوعيد بالانقلاب على الحكومة وطرد دولة الرّئيس من السراي الحكومي، فضلًا عن تخوين فخامة رئيس الجمهوريّة بالتفاوض مع الشيطان الأصغر، فيما هم يحلّلون ويفتون لنفسهم بالتّفاوض مع الشيطان الكبر، يأكلون على مائدته ويشربون معه كؤوس النّصر الموهوم هم وإيرانهم التي سجّلت اغتيال المرشد الأعلى، واغتيال قادة الصف الأول والثاني والثالث، واغتيال علماء الذرة، فضلًا عن عشرة آلاف قتیل، وتسعين ألف جريح، وتدمير 125 ألف منشأة عسكرية ومدنية وتجارية وصناعية، وخسائر تضاهي الـ350 مليار دولار خسائر دمار في البنى التحتية.
مقابل ذلك، قبلت إيرانهم في ورقة التّفاهم مع الشيطان الأكبر بأن لا يكون عندها برامج نووية وصاروخية بعد الآن، ولا يورانيوم مخصب بعد الآن، ولا سيطرة على مضيق هرمز بعد الآن.
فضلًا عن انقطاع مياه الشرب والكهرباء والدواء، وانهيار الصناعة والغلاء الفاحش الناتج عن إنهيار تاريخي للريال الإيراني، ما ترك أربعين مليون إيراني تحت خط الفقر.
وهذا ما أجبر إيرانهم على التعهد أيضًا بعدم التدخل في شؤون الدول العربية، والتعهد بعدم تمويل الأذرع. ليخرج بعض الأغبياء والجهلة مهلّلين بضجيج الانتصارات الوهمية فوق هذه الهزيمة النكراء.
نعم، لقد عاد الجنوبيّون إلى الحقيقة، لكنّ عيونهم فقهت، ومشاعرهم أسكتت، ودموعهم كُبِتَت.
وحدها أصوات المنع علَت. لكن تبقى الشجاعة للشّجعان وحدهم الذين أعلنوا هذه الحقيقة بطرحهم الأسئلة المرّة مئة مرّة كلّ مرّة: لأجل مَن خسرنا تاريخنا؟ مَن سيعيد إعمار مستقبلنا؟ هل نستطيع بعد اليوم أن ننظر في عيون من أجبرتمونا على تخوينهم كلّ لحظة سبعين مرّة سبع مرّات؟ وبعد هذه الأسئلة كلّها ترك الجنوبيّون الحقيقة تبكي على ركامهم وأشلاء أبنائهم وغادروا إلى أحضان الذين فتحوا لهم قلوبهم؛ هؤلاء الكفرة والخونة، صهاينة الدّاخل.
ليعودوا ومعهم الوعد بإسقاط حكومة نوّاف سلام في الشارع، وضرب العهد الجديد في صميمه بإجباره على الخضوع لإملاءاتهم بالانسحاب من المفاوضات المباشرة، وإرجاع التّوكيل ” الهوكشتينيّ” إلى دولة الرّئيس نبيه برّي اللبق الذي يعرف ماذا يعطي الإسرائيلي من الجغرافيا اللبنانيّة، ليعود ويظهر كطارق ببن زياد فاتح الأندلس بعدما يتنازل عما يتنازل عنه تمامًا كالخطّ 29 وكاريش وثرواتها كلّها!
الحقيقة التي منعوا من رؤيتها في الجنوب، ستعيش في كيانهم حتّى انقضاء الدّهر. وهم يعرفون من باع الوطن بولاء إيديولوجي فأضحوا هم أنفسهم بلا منزل.
مقابل ذلك في وطننا منازل كثيرة. نوّاف سلام باقٍ باقٍ باقٍ. أيّارهم أضحى تشرينًا خريفيًّا وسقطت زمن الأيّام المجيدة. ومَن يعشْ يرَ. العهد الجديد سيبقى جديدًا وناصعًا، وحده يحمل كلمة لبنان ويتكلّم باسمه في أعظم قاعات التّفاوض. يُفاوِض لأنّه يمثّل الشرعيّة، ولا يُفَاوَضُ عليه أو على الوطن الذي يمثّل، لأنّه الشّرعي والدائم، ولم يكن يومًا مؤقّتًا، ولن يكون.
أمّا أنتم، فخسرتم سواء اعترفتم بذلك، أم لم تعترفوا.
وزمن الأوّل تحوّل.
الزّمن الذي كنتم تُسقِطون فيه قد انقضى، وزمن اليوم هو الزّمن الذي أنتم تسقطون فيه.
لبنان الجديد آتٍ، مهما تأخّر … آتٍ، ولن نسمح لكم بتضييع هذه الفرصة في بازاراتكم السّفيهة كوجوهكم الصّفراء. صدّقتم أم لم تصدّقوا … لقد انتهيتم.
وهذه هي الحقيقة الصارخة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير