
كاتب ومحلل سياسي
مغالطات حول التقويم الهجري: عندما انتصرت الدولة على العاطفة
خاص بوابة بيروت
يكثر الحديث في كل عام هجري عن بداية التقويم الإسلامي، وتتكرر معه مغالطات تاريخية عديدة، أبرزها الاعتقاد بأن الأول من محرم هو اليوم الذي وقعت فيه الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة. والحقيقة التاريخية أن هذا الاعتقاد غير دقيق، فالهجرة لم تقع في شهر محرم أصلاً، بل بدأت وقائعها في شهر صفر، ووصل النبي محمد ﷺ إلى المدينة في شهر ربيع الأول.
أما اعتماد السنة الهجرية، فقد جاء لاحقاً في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، عندما قررت الدولة الإسلامية اعتماد حدث الهجرة مرجعاً للتأريخ، دون أن يعني ذلك أن بداية السنة توافق تاريخ وقوع الهجرة الفعلي.
لقد واجهت الدولة الإسلامية الناشئة في عهد عمر بن الخطاب تحدياً إدارياً حقيقياً نتيجة اتساع رقعتها الجغرافية وتزايد مراسلاتها الرسمية. فكان العمال والقضاة يتلقون كتباً ووثائق تحمل أسماء الشهور دون تحديد السنة، ما تسبب بإشكالات في إدارة شؤون الدولة والمال والقضاء.
عندها جمع عمر بن الخطاب كبار الصحابة للتشاور في وضع تقويم رسمي موحد للدولة. وطُرحت عدة اقتراحات لتحديد نقطة البداية التاريخية، منها:
مولد النبي ﷺ.
بعثته ونزول الوحي.
هجرته من مكة إلى المدينة.
وفاته ﷺ.
لكن النقاش لم يُحسم بالعاطفة، بل بمنطق الدولة والمؤسسات.
فاستُبعدت وفاة النبي ﷺ لما تحمله من ألم وحزن، كما أن تاريخ المولد والبعثة لم يكن محل اتفاق دقيق بين المسلمين آنذاك. أما الهجرة، فقد مثلت الحدث الأبرز في الانتقال من مرحلة الدعوة إلى مرحلة بناء المجتمع والدولة، ومن واقع الاستضعاف إلى قيام كيان سياسي وإداري مستقل.
ومن هنا جاء الرأي الذي نُسب إلى علي بن أبي طالب وأيده الصحابة باعتماد الهجرة أساساً للتقويم الإسلامي، لأنها كانت لحظة تأسيس الدولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
لكن السؤال الآخر كان: لماذا اختير شهر محرم ليكون أول شهور السنة؟
الجواب أن العرب كانوا يعتبرون محرم بداية سنتهم القمرية، كما أن قرار الهجرة وعقد العزم عليها جاء بعد بيعة العقبة التي سبقت محرم، فاعتُمد هذا الشهر بداية للتقويم مع إبقاء الهجرة نفسها مرجعاً تاريخياً له.
إن قراءة هذا القرار بمنظار الدولة تكشف جانباً مهماً من شخصية عمر بن الخطاب السياسية والإدارية. فالرجل لم يبحث عن حدث عاطفي أو رمزي ليؤرخ به، بل عن محطة تؤسس لقيام المؤسسات وتنظم حياة الناس. لذلك كان التقويم الهجري في جوهره مشروعاً إدارياً ودستورياً قبل أن يكون مجرد وسيلة لحساب الزمن.
واللافت أن عمر بن الخطاب لم يربط تاريخ الأمة بميلاد قائدها أو وفاته، بل بحدث صنع تحولاً سياسياً وحضارياً في حياة المجتمع. إنها رسالة عميقة مفادها أن الأمم تُقاس بقدرتها على بناء الدولة والمؤسسات، لا بالاكتفاء باستحضار الذكريات والشعارات.
لذلك، فإن التقويم الهجري ليس مجرد تقويم ديني، بل شاهد تاريخي على لحظة انتصار فكرة الدولة والتنظيم والإدارة الرشيدة. ومن يقرأ فلسفة هذا القرار يدرك أن أحد أهم دروس عمر بن الخطاب للأجيال هو أن قوة المجتمعات لا تقوم على الأشخاص مهما علت مكانتهم، بل على المؤسسات والقوانين وحسن الإدارة.
وهنا تكمن الحقيقة التي يغفلها كثيرون: لم يكن اختيار الهجرة احتفاءً برحلة سفر، بل احتفاءً بولادة دولة. ومنذ ذلك اليوم، أصبح الزمن الإسلامي نفسه مؤرخاً على أساس مشروع بناء الدولة، لا على أساس حدث شخصي أو عاطفي.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير