مقال للتاريخ… اللهم اشهد أني بلغت
بقلم د.أنيس راشد – خاص بوابة بيروت
التاريخ لا يرحم. فهو يسجل الوقائع والقرارات والفرص الضائعة دون أن يلتفت إلى التبريرات التي تأتي لاحقاً. وعندما يُراجع المؤرخون مسيرة المسيحيين في لبنان، سيجدون أمامهم دولة وُلدت عام 1920 لتكون وطناً يؤمن لهم الحضور والحرية والدور السياسي، لكنهم في محطات عديدة ساهموا، بفعل الانقسامات وسوء التقدير، في إضعاف الموقع الذي أُعطي لهم.
بدأت أولى الإشارات المبكرة إلى هذا المسار مع الخلافات التي ظهرت بعد انتخاب شارل دباس. فبدلاً من توحيد الموقف حول تثبيت أركان الدولة الناشئة، دخلت النخب السياسية في صراعات كادت تفضي إلى انتخاب الشيخ محمد الجسر رئيساً للجمهورية، الأمر الذي دفع فرنسا، الراعية لدولة لبنان الكبير آنذاك، إلى تعليق الدستور وحل مجلس النواب حفاظاً على التوازنات التي قامت عليها الدولة الجديدة.
ثم جاءت مرحلة أخرى من التفريط السياسي مع مؤتمر القاهرة وما تبعه من فتح الساحة اللبنانية أمام العمل الفلسطيني المسلح، في وقت كانت فيه القرى المسيحية الحدودية تخوض معركة الصمود والبقاء. ومع اندلاع الحرب اللبنانية، تلاقت المصالح بين القوى المسيحية وإسرائيل التي رأت في اجتياح بيروت فرصة لإعادة رسم المشهد اللبناني، فيما اعتبر كثير من المسيحيين أن تلك اللحظة قد تكون مناسبة لإعادة تثبيت الدولة.
لكن ما أعقب ذلك، بحسب أصحاب هذا الرأي، كان سلسلة من الفرص المهدورة. فقد سقط اتفاق 17 أيار قبل أن يتحول إلى واقع سياسي دائم، رغم موافقة شخصيات أساسية في الدولة اللبنانية عليه آنذاك. وجاءت حرب الجبل لتوجه ضربة قاسية للمسيحيين سياسياً وديموغرافياً، بينما بدأت التفاهمات والوعود التي بُنيت عليها المرحلة تتهاوى تباعاً.
ويستذكر كثيرون في هذا السياق تحذيرات شخصيات سياسية بارزة من مغبة التسرع ورفض التسويات الممكنة، معتبرين أن الحسابات الفئوية والانقسامات الداخلية كانت أقوى من المصلحة الاستراتيجية بعيدة المدى.
غير أن المأساة لم تتوقف عند تلك المرحلة. فالخلافات المسيحية التاريخية التي امتدت من زمن يوسف بك كرم وطنيوس شاهين عادت بأشكال جديدة في العقود اللاحقة، وصولاً إلى الصراع بين ميشال عون وسمير جعجع. وعندما فشلت الوساطات الداخلية والخارجية، ومن بينها الجهود التي بذلها الموفد البابوي آنذاك، انفجرت حرب الإلغاء التي استنزفت ما تبقى من القوة العسكرية والسياسية للمسيحيين وأدخلتهم في مرحلة طويلة من التراجع.
اليوم، وبعد عقود من تلك الأحداث، يبدو وكأن القدر يعيد طرح السؤال نفسه ولكن في ظروف مختلفة. فلبنان يقف أمام تحولات إقليمية متسارعة، وموازين القوى تتبدل بسرعة غير مسبوقة. وإذا كانت قيادة المرحلة السابقة قد تمثلت ببيت الجميل، فإن الأنظار تتجه اليوم إلى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بوصفه صاحب القرار في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.
السؤال المطروح ليس فقط ماذا يريد المسيحيون، بل هل يمتلكون هذه المرة القدرة على اتخاذ القرار الموحد وحماية ما تبقى من دورهم الوطني؟ أم أنهم سيكررون الأخطاء ذاتها التي دفعتهم مراراً إلى إضاعة الفرص التاريخية؟
في المقابل، تبرز معادلة جديدة في المنطقة عنوانها صعود أنظمة وقوى سنية اختارت مسار التسويات والاستقرار الإقليمي، من مصر إلى الأردن ودول الخليج، وصولاً إلى التحولات الجارية في سوريا. فالدول، في نهاية المطاف، تعقد الاتفاقات مع القوى القادرة على الالتزام بها وحمايتها واستمرارها.
من هنا، تبدو المرحلة الحالية اختباراً حقيقياً للقيادة اللبنانية عموماً وللقيادة المسيحية خصوصاً. فإما أن تُقرأ المتغيرات بواقعية وشجاعة ويتم التقاط الفرصة المتاحة، وإما أن يضيف التاريخ فصلاً جديداً إلى سجل الفرص الضائعة.
ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل وحده: هل يثبت المسيحيون هذه المرة أنهم قادرون على حماية وطن كان لهم دور أساسي في قيامه واستمراره، أم أن المؤرخين سيكتبون مجدداً أن فرصة أخرى ضاعت بسبب الانقسام والتردد وسوء التقدير؟
كل ذلك يتوقف على شجاعة القيادة السياسية، وعلى قدرة رئيس الجمهورية وقيادة الجيش ومؤسسات الدولة على مواكبة التطورات المتسارعة واتخاذ القرارات التي تفرضها
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير