
مدير التحرير
لبنان على حافة التسوية الكبرى
خاص بوابة بيروت
يبدو أنّ المفاوضات الأميركية – الايرانية قد وصلت إلى ساعة الحقيقة. فبين صراعين بدا واضحًا المسار الأميركي الذي يركّز في الساعات الرّاهنو على تنفيس الضّغط الاقتصادي النّاجم من التوتّر في مضيق هرمز، بينما الإيراني لا زال حتّآ الساعة يمارس التقيّة الديبلوماسيّة من خلال المراهنة على عامل الوقت، بهدف إطالة امد التّفاوض ربّما تستطيع تحسين شروطها برغم الغيوم السلبيّة التي ظلّلت مغادرة الوفد الإيراني.
ما وضع الوسطاء القطريّين والباكستانيّين في مواقف حرجة.هؤلاء الذين لا زالوا يؤمنون بإمكانيّة تحويل مذكّرة التفاهم إلى اتّفاق نهائي خلال المهلة المقترَحَة.
الملف اللبناني بات في صلب التفاوض
وسط هذه التعقيدات الايرانية – الأميركيّة عاد الملفّ اللبناني ليتصدّر الواجهة إن من حيث الميدان وإن من حيث أولويّة تثبيت وقف إطلاق النّأر وتحييد ضاحية بيروت الجنوبيّة، وسط معلومات صحافيّة عزت ذلك إلى وجود عناصر قياديّة من الحرس الثّوري الإيراني تدير المعارك في الميدان الجنوبي بشكل مباشر من الأراضي اللبنانيّة.
وما أكّد هذه الفرضيّة الاستهداف الذي حصل الأسبوع الماضي على ضاحية بيروت.
لكن ما بات مرفوضًا لبنانيًّا وبشكل واضح، هذا الرّبط بين الساحتين الإيرانيّة واللبنانيّة. فلا يمكن القبول بأيّ سلّة مفاوضاتيّة في ظلّ تعنّت منظّمة حزب الله على ربط الساحات. في ظلّ إصرار فخامة رئيس الجمهوريّة على فصل المسارين المفاوضاتيّين.
لكنّ الوقائع الميدانيّة تؤكّد أنّنا متّجهون إلى مرحلة جديدة تتخطّى إدارة الأزمات إلى فرض الحلول انطلاقًا من التفوّق الميداني.
رفع للسقوف التفاوضية قبل الجولة التالية
وسط هذه التطوّرات الميدانيّة في لبنان والمفاوضاتيّة في سويسرا لا يبدو انّ المسار المفاوضاتي قد سقط بشكل جذري. إنّما يندرج ذلك في سياق نجاح التقيّة السياسيّة التي نجحت الديبلوماسيّة الإيرانيّة بتسجيلها على فريق نائب الرّئيس الأميركي اللاهث إلى صفقة القرن.
ولعلّ هذا ما سيعزّز نظريّة الفريق المتشدّد في إدارة الرئيس ترامب والذي يتزعمّه السيناتور ليندسي غراهام حيث يصرّ على استئناف المسار الحربي على إيران وتسعير الضغط أكثر في الساحة اللبنانيّة.
أما بالنسبة للبنان، فالمؤشرات المتوافرة حتى الآن توحي بأن جلسة 22 حزيران وما يليها ستتركز على:
– تثبيت وقف النار.
– مستقبل السلاح غير الشرعي جنوب الليطاني وربما شماله لاحقًا.
– الانسحاب الإسرائيلي والنقاط المتنازع عليها.
– آلية رقابة وتنفيذ دولية أكثر صرامة من الآليات السابقة.
لذلك، يرى مراقبون كثر أنّ الساعات الـ48 المقبلة قد تكون أكثر أهمية من كل ما سبقها، لأنها ستُظهر ما إذا كانت مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية ستتحول إلى اتفاق فعلي، أم أنها ستبقى مجرد إطار مؤقت لشراء الوقت من الطرفين.
ولكن من مراقبة مسار الميدانَين يبدو أنّ هذه المذكّرة ولدت ميتة في إطارها العام، لكن في غطارها الضيّق يصرّ الرئيس الأميركي على تسجيلها أهداف تكتيّة آنيّة تمهيدًا إلى الانتقال إلى تسجيل الأهداف الاستراتيجيّة الكبرى.
الجنوب اللبناني: وقف نار على فوهة بركان
لبنانيًّا، وقف غطلاق نار هشّ كما جرت العادة. لا استقرار فعلي بل مجرّد فرص لانسحابات تكحتيّ’ تنفّذها منظّمة حزب الله من المناطق التي يحاصرهالا الإسرائيليّون، ولا سيّما تلّة علي الطّاهر التي تضمّ لحد عماد مغنيّة الذي لطالما عاش حياته فيه. في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض التطبيق الكامل للتفاهمات التي أوقفت الحرب.
أمّا إسرائيليًّا، فالمعركة لا زالت مستمرّة ويبدو أنّها لن تتوقّف إلى حين تحقيق الهدف الاستراتيجي الأبعد من كلّ ما يحصل، أي الانتهاء كلّيًّا من منظومة منظّمة حزب الله، واجتثاثها من صلب تركيبة المؤسّسات اللبنانيّة. وهذا ما لا يتنبّه إليه طرفا النّزاع داخل الدّولة اللبنانيّة، أي الفريق الحاكم والفريق الذي يترأسه دولة الرئيس نبيه برّي.
من هنا بالتّحديد، يرسم الاسرلاائيلي قواعد اشتباك جديدة في الجنوب انطلاقًا من شكل التوازنات المنيّة لمرحلة ما بعد الحرب. فعلى ما يبدو وانطلاقًا من معلومات إعلاميّة إقليميّة لن يقبل الاسرائيلي بأي فرصة لإعادة تشكيل أي منظومة عسكريّة على حدوده الشماليّة. وهذا ما يفسّر الاصرار على الدّخول في صلب عقيدة الدّولة اللبنانيّة الحديثة.
دولة سيدة حرّة مستقلّة لا وجود فيها لأيّ تنظيمات عسكريّة قد تهدّد أمن الإقليم.
مفاوضات 22 حزيران: بداية الطريق أم بداية المواجهة؟
وسط هذ المشهديّة، تتجه الأنظار إلى المفاوضات الإسرائيلية – اللبنانية المرتقبة في 22 حزيران. إذ تشك هذه المفاوضات اختبارًا حقيقيًّا لأيّ امكانيّة بالتحوّل من وقف إطلاق نار مؤقّت إلى اتّفاق سلام استراتيجيّ مستدام. ولكن على ما يبدو أنّ الوصول إلى هذا الهدف لا زال بعيد المنال.
فيما ترجّ؛ بعض التسريبات الديبلوماسيّة أنّ الأجندة اللاسرائيلي التفاوضيّة لن تبحث في تثبيت وقف إطلاق النّار فقط، بل هي ستنتقل إلى المرحلة التي ستلي، أي البحث في أسباب الحرب التي تبدأ من الارتباط الايديولوجي ولا تنتهي في ربط الساحات.
وقد تصل إلى إيجاد واقتراح آليّات لضمان الاستقرار وجعل أي اتّفاق ممكن اتّفاقًا مستدامًا من النّاحية الاستراتيجيّة، على ألّا يكون اتّفاقًا تكتيًّا للمزيد من شراء الوقت. بمعنى آخر ما يُعمَلُ عليه بين طهران وواشنطن لا يشبه ما يعمَلُ عليه بين بيروت وتل أبيب.
ساعة الحقيقة
في المحصّلة، يبدو أنّ لبنان واقف على أعتاب مرحلة مفصلية قد تكون الأخطر منذ سنوات لأنّها ستطال وجوديّته كدولة مكتملة الأركان.
فإما أن تفضي المفاوضات الجارية إلى ولادة واقع جديد يفتح الباب أمام الاستقرار وإعادة بناء الدولة، وإما أن تستمر سياسة المراوحة التي دفع اللبنانيون أثمانها الباهظة على مدى عقود. وبالتّالي يسقط حقّ الوجود.
هذا الحقّ الذي اكتسبه لبنان الكيان بعد أكثر من ألف ومئتي سنة من النّضال، بينما قد ينجح الاسرائيلي في تثبيت حقّ الوجود الذي تحدّث عنه نتانياهو في كتابه:” مكان تحت الشمس” في العام 1993.
ولعل الحقيقة الوحيدة الثابتة اليوم أن ساعة القرار تقترب، وأن المنطقة بأسرها دخلت مرحلة لم يعد فيها من الممكن الهروب من الاستحقاقات أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
وإذا أردنا قراءة المشهد كِيانيًّا لا سياسيًّا وحسب، فإن السؤال الأساسي لم يعد: هل سيكون هناك اتفاق؟ بل أصبح: ما حجم التنازلات التي ستقبل بها طهران في الملف اللبناني مقابل المكاسب التي ستحصل عليها في الملفات الاقتصادية والعقوبات؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير