
مدير التحرير
من التطور الأمني إلى المسار السياسي
خاص بوابة بيروت
صحيح أنه تمّ التوصل إلى إعلان وقف إطلاق نار جديد بين إسرائيل وحزب الله بوساطة أميركية وقطرية وبمشاركة إيرانية غير مباشرة، إلا أنّ التشكيك بمدى صموده بسبب استمرار تبادل الاتهامات بخرقه يبقى سيد الموقف.
مع العلم أنه لا يمكن التغاضي عن التصعيد العسكري الكبير الذي سبق هذا الوقف لإطلاق النار، إذ شهد الجنوب اللبناني غارات إسرائيلية كثيفة أوقعت عشرات القتلى والجرحى وفق تقارير دولية، ما جعله من أعنف أيام المواجهة منذ التفاهم الأميركي – الإيراني الأخير.
كما صرحت مصادر عسكرية إسرائيلية عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين في عملية نُسبت إلى حزب الله، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى تنفيذ موجة واسعة من الضربات داخل الجنوب اللبناني، طالت معظم قرى البقاع أيضًا.
وهذا ما تزامن مع تصريحات. اسرائيلية تحدّثت عن استمرار البقاء العسكري داخل أجزاء من جنوب لبنان حتى بعد وقف النار، تحت عنوان منع أي تهديدات مستقبلية، ما يعني أن ملف الانسحاب الإسرائيلي لا يزال مفتوحًا. بمعنى آخر، يسقط أي حديث عن وقف لإطلاق النار على أهميته، ولا سيما أنه سيكون قبل جلسة ٢٢ الجاري التي ستعقد في واشنطن.
فيما جدّدت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام تمسكها بخيار التفاوض باعتباره الطريق الأقل كلفة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي واستعادة الاستقرار، رغم الإقرار بأن النتائج ليست مضمونة.
وهذا ما يعطي دومًا منظمة حزب الله ورقة قوّة تستعملها ضدّ السلطة اللبنانية المترددة في الحسم؛ ولا سيّما أنّ الرئيس الأميركي بدا لاهثًا لتحقيق إنجاز مبدئي بوقف إطلاق النار، وآخر استراتيجي بالتوصل إلى اتّفاق سلام بين الطرفين اللبناني والاسرائيلي.
لكنّ المعطيات المتوافرة في الساحة اللبنانية تؤكّد بما لا يقبل الشكّ بأنّ المنظمة لا زالت تحافظ على الجزء المعطّل في الدولة العميقة من خلال المنظومة الحاكمة التي كرست وجودها غير الشرعي، وحولته من مؤقت إلى دائم.
وهذا ما تسعى المنظمة عبر هذه المنظومة إلى جعله عرفًا دستوريًّا عملًا بالمبدأ القانوني القائل: العرف أقوى من الدستور. وهذا ما يحاول فخامة الرئيس، مدعومًا بأكثرية لبنانية إسقاطه بضربة الشرعية القاضية. وهذا ما يبدو متعثّرًا حتى الساعة، ما يشكّل عائقًا أساسيًّا أمام عربة الرئاسة الأولى ويمنعها من المضي قدُمًا.
وسط هذه التطوّرات وفقًا لبعض المصادر الديبلوماسية برز توجّه لبناني نحو تصعيد دبلوماسي في الأمم المتحدة عبر التحضير لشكوى عاجلة إلى مجلس الأمن على خلفية توسع الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة.
مقابل الحديث أيضًا عن إمكانية رفع شكوى ضدّ إيران بسبب مسؤوليتها غير المباشرة، عبر ذراعها العسكرية في لبنان أي منظمة حزب الله، ومباشرة من خلال تصريحات مسؤولين إيرانيين عم ربط مصير لبنان بإيران.
وهذا ما سيمكّن الدولة اللبنانية بالمطالبة بإعادة الإعمار من خلال الأرصدة الإيرانية المتوقع الإفراج عنها.
وفي خضمّ تطوّرات الميدان اللبناني برزت مسألة تأجيل أو تعثر مسار المفاوضات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، وهذا ما يعزز الانطباع بأن لبنان لا يزال أحد أبرز ملفات التفاوض الإقليمي.
فيما الدولة اللبنانية العاجزة على فرض سيادتها فرضًا، بواسطة قواها التنفيذية الأمنية والعسكرية والقضائية، تجهد على تثبيت سيادتها من بوّابة شرعيّتها في التفاوض. لكن ما يعرقل هذا المسار، هو قرار الحرب والسلم الذي لا تملكه الشرعية في لبنان.
والمؤسف في ذلك أنّ التعويل على الأزرق من قبل المجتمع الدولي يكبر كل يوم، من أجل الضغط عليه للدفع قدمًا بتثبيت القرار تلحكومي الإجرائي بقوّة الأمر الواقع.
فيما يتزايد القلق من هشاشة التفاهم الأميركي – الإيراني بشأن لبنان بعدما أظهرت الأحداث الأخيرة أن أي حادث ميداني يمكن أن يهدد المسار السياسي بأكمله. وهذا ما حصل بعد مقتل ضابد إسرائيلي وجنوده الثلاثة. فالميدان العسكري لا زال حتى الساعة سيّد الموقف.
التفاهم الإقليمي لم يسقط، لكنه تعرّض اليوم لاختبار خطير أثبت مدى هشاشته، إذ بدا مبنيًّا على رمال الميدان المتحرّكة. فيما الجنوب بقي محور الحدث اللبناني بلا منازع. وملف الانسحاب الإسرائيلي عاد إلى واجهة النقاش السياسي.
بينما الحكومة اللبنانية تواصل الرهان على المسار التفاوضي، في ظلّ ترقّب نتائج جولة سويسرا المقبلة التي على ما يبدو أنّها ستبقى العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة في لبنان.
وسط حقل الألغام تكثر التساؤلات في هذه المرحلة عن مقوّمات الصمود.
من سيصمد أكثر الدولة أم الدويلة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير