عندما تصبح الكرامة الإنسانية انتقائية… من يدافع عن الضحية إذا كان رجلاً؟

خاص بوابة بيروت

انتشر خلال الأيام الماضية مقطع مصور من مدينة أمستردام الهولندية يظهر امرأة تسير في أحد الشوارع العامة وهي تجر رجلاً بواسطة سلسلة مثبتة في عنقه، في مشهد أثار موجة واسعة من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي.

وبغض النظر عن طبيعة العلاقة بين الشخصين، أو ما إذا كان الأمر سلوكاً شخصياً أو استعراضاً أو أداءً فنياً، فإن السؤال الحقوقي الحقيقي لا يتعلق بالدوافع، بل بالفعل نفسه عندما ينتقل من المجال الخاص إلى الفضاء العام.

إن تحويل إنسان إلى ما يشبه الحيوان أمام أعين المارة ليس صورة من صور الحرية، ولا تعبيراً عن المساواة، ولا شكلاً من أشكال التقدم الاجتماعي، بل هو مشهد يمس الكرامة الإنسانية التي أكدت عليها المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تنص على أن جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق.

لكن السؤال الأكثر إزعاجاً هو: هل كان رد الفعل العالمي سيبقى كما هو لو كانت الأدوار معكوسة؟

لو ظهر رجل يجر امرأة بسلسلة في أحد شوارع أوروبا، فمن الصعب تصور أن يمر المشهد بهذه الدرجة من الهدوء.

كانت القنوات الإخبارية ستخصص ساعات من البث، وستصدر بيانات الإدانة، وستنطلق حملات واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، وسيتسابق السياسيون والمنظمات الحقوقية والنسوية إلى التنديد بما حدث.

إن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكن أن يكون انتقائياً، لأن الانتقائية هي أول طريق لانهيار العدالة.

لقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة في بعض المجتمعات الغربية ممارسات واستعراضات عامة تضمنت جرّ أشخاص بالسلاسل أو الأطواق في الأماكن العامة، سواء في أمستردام أو في لندن في واقعة قديمة أثارت نقاشاً واسعاً حول حدود حرية التعبير والكرامة الإنسانية، وهو ما يدل على أن هذه الظاهرة ليست معزولة، حتى وإن اختلفت دوافعها وسياقاتها.

وفي المقابل، لا يجوز اختزال الحركة النسوية كلها في هذه الممارسات أو في مواقف بعض الناشطات.

غير أن من المشروع توجيه النقد إلى التيارات أو الخطابات التي تقع في ازدواجية المعايير، فتدين الإهانة عندما تقع على المرأة، لكنها تلتزم الصمت أو تبررها عندما يكون الضحية رجلاً.

فالمساواة الحقيقية لا تعني استبدال التمييز بتمييز مضاد، ولا تعني نقل الظلم من طرف إلى آخر، وإنما تعني رفض الإهانة أياً كان الضحية.
الرجل ليس خصماً للمرأة، كما أن المرأة ليست خصماً للرجل.

الرجل هو الأب، والأخ، والابن، والزوج، والمرأة هي الأم، والأخت، والابنة، والزوجة. وأي خطاب يحرض أحد الجنسين على الآخر، أو يحاول تصوير العلاقة بينهما باعتبارها صراعاً دائماً، لا يخدم حقوق الإنسان، بل يزرع الكراهية ويقوض الأسرة والمجتمع.

إن الكرامة الإنسانية لا تُقاس بجنس الضحية، ولا بلونها، ولا بدينها، ولا بانتمائها. فإذا أصبح الاستنكار مرتبطاً بهوية الضحية لا بالفعل المرتكب، فإننا نكون قد انتقلنا من الدفاع عن الحقوق إلى ممارسة التمييز باسم الحقوق.

ولهذا، فإن أي مشهد يهين إنساناً في الفضاء العام، سواء كان الضحية رجلاً أو امرأة، يجب أن يُقابل بالرفض نفسه، وبالمعيار الأخلاقي والقانوني نفسه، لأن العدالة التي تتغير بتغير جنس الضحية ليست عدالة، بل امتياز مقنّع بثوب الحقوق.

فالعدالة لا تنحاز للرجل، ولا للمرأة… بل تنحاز للإنسان
وفي النهاية، فإن الكرامة الإنسانية ليست امتيازاً تمنحه الأغلبية، ولا حقاً يُقاس بجنس الضحية، بل هي حق أصيل لكل إنسان.

فقد نصت المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن: “يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق”، كما أكدت المادة الثانية أن لكل إنسان جميع الحقوق والحريات دون أي تمييز من أي نوع، بما في ذلك الجنس.

ونص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في مادته (26) على أن جميع الأشخاص متساوون أمام القانون، ويتمتعون بحق متساوٍ في الحماية من أي تمييز.

كما شددت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) على أن هدفها هو تحقيق المساواة والكرامة، وليس استبدال شكل من أشكال التمييز بآخر.

لذلك، فإن أي ممارسة تنطوي على إذلال إنسان أو تجريده من كرامته، سواء كان رجلاً أو امرأة، تتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الدولي لحقوق الإنسان.

فالعدالة الحقيقية لا تُبنى على ازدواجية المعايير، ولا على هوية الضحية، بل على مبدأ واحد ثابت: أن الكرامة الإنسانية واحدة، والحقوق لا تتجزأ، والمساواة لا تعني الانتصار لجنس على حساب الآخر، وإنما حماية الإنسان من الإهانة والتمييز أياً كان جنسه أو انتماؤه.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك