
كاتبة وناشطة سياسية
لبنان…الوطن الذي أضاف إلى فصول السنة فصلًا من الحروب ولم يفقد ربيعَه
بقلم خلود وتار قاسم
@kholoudwk
استوقفتني كلمات الفنان جورج خباز عندما تحدث عن لبنان، البلد الذي أصبح يملك خمسة فصول: خريفاً وشتاءً وربيعاً وصيفاً… وحروباً.
لم أتوقف عند الحرب في عبارته بقدر ما توقفت عند الفصول.
فهذا البلد الصغير ليس مجرد مساحة من الأرض تتبدل عليها المواسم، بل هو صورة عن الإنسان الذي يعيش فوقها. وكثيراً ما أشعر أن اللبناني يشبه لبنان أكثر مما يدرك هو نفسه.
في بلاد كثيرة تصنع الجغرافيا هوية الناس. أما في لبنان، فكأن الناس هم الذين صنعوا هوية المكان.
الجبل ليس مجرد جبل، لأنه يحمل شيئاً من عناد أهله. والبحر ليس مجرد بحر، لأنه يشبه اتساع قلوبهم وقدرتهم العجيبة على احتضان الحياة رغم كل ما مرّ بهم. وحتى أشجار الأرز التي بقيت شاهدة على قرون من التحولات، تبدو وكأنها تختصر قصة شعب كامل تعلّم أن الثبات لا يعني الجمود، وأن الجذور العميقة هي التي تسمح للأغصان بأن تلامس السماء.
ربما لهذا السبب لا يمكن فهم لبنان بالأرقام ولا بالسياسة وحدها. فهذا البلد عاش ما يكفي من الحروب ليكره الحياة، لكنه اختار أن يحبها أكثر. وعاش ما يكفي من الخيبات ليفقد الأمل، لكنه بقي يبحث عنه في كل صباح. وعرف من الانقسامات ما يكفي لتمزيق أوطان أكبر منه، لكنه ما زال حتى اليوم يجد في داخله أسباباً جديدة للبقاء.
في كل مرة أزور فيها قرية لبنانية أشعر أنني لا أرى حجارة وبيوتاً فقط، بل أرى ذاكرة جماعية كاملة. أرى أجيالاً تعبت وعملت وضحّت وبنت وزرعت، وهي تؤمن أن الأرض ليست مجرد ملكية، بل مسؤولية. وأن الوطن ليس فندقاً نقيم فيه عندما تكون الظروف مناسبة ثم نغادره عندما تتعقد الأمور، بل هو جزء من هويتنا، من قصصنا، ومن الأشخاص الذين نحبهم.
ولهذا بقي اللبناني واللبنانية، أينما ذهبوا في العالم، يحملوا لبنان معهم. يحملوه في لهجتهم، وفي حنينهم، وفي طريقتهم في استقبال الناس. وفي إصرارهم الدائم على البدء من جديد.
كأن هذا الشعب يملك قدرة فريدة على تحويل الألم إلى دافع، والخسارة إلى درس، والأزمات إلى فرص للنجاة والنهوض.
وربما هنا يكمن سر هذا الوطن. ليس في أنه نجا من الحروب، بل في أنه لم يسمح للحروب أن تعرّفه. وليس في أنه واجه الأزمات، بل في أنه لم يسمح للأزمات أن تسلبه روحه.
فلبنان، في جوهره، ليس قصة صراع فقط كما يراه كثيرون من الخارج. لبنان قصة حب طويلة بين الإنسان والأرض. قصة إيمان بأن الغد يمكن أن يكون أفضل مهما اشتدت العواصف. وقصة شعب يعرف أن الحياة ليست ما يحدث لنا، بل ما نقرر أن نفعله بما يحدث لنا.
لذلك، عندما أنظر إلى فصول لبنان الأربعة، لا أرى مناخاً وطبيعة فحسب.
أرى شعباً يشبهها، يتغير لكنه لا يفقد هويته، يتعب لكنه لا يستسلم، يتعثر لكنه لا يتوقف. ويؤمن، رغم كل شيء، أن بعد كل شتاء ربيعاً، وبعد كل ليل فجراً، وبعد كل محنة فرصة جديدة للحياة.
وربما لهذا السبب تحديداً، سيبقى لبنان أجمل من أن تختصره الحروب، وأكبر من أن تعرفه الأزمات، وأقوى من أن تهزمه الأيام.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير