بعد كورونا : هل كان الفيروس أزمة العالم أم إنذارًا لأزمة الإنسان؟

بقلم خلود وتار قاسم

في عام 2020، وفي ذروة الخوف العالمي من كورونا، نشرتُ هذا الحوار الطويل مع نعوم تشومسكي. يومها انشغل معظم الناس بعدد الإصابات والوفيات، وبموعد انتهاء الإغلاق، وبالسؤال البسيط: متى تعود الحياة إلى طبيعتها؟

أما تشومسكي فكان يسأل سؤالاً مختلفاً تماماً: ماذا لو لم تكن كورونا هي الأزمة؟ ماذا لو كانت مجرد إنذار؟

أعود اليوم إلى ذلك النص، ليس لأنني أؤمن بالنبوءات، بل لأن بعض المفكرين لا يتنبؤون بالمستقبل بقدر ما يقرأون الاتجاهات العميقة التي لا نراها ونحن غارقون في تفاصيل يومنا.

حينها حذر من ثلاثة أمور: تصاعد خطر الحروب، وتفاقم التغير المناخي، وتآكل الديمقراطية تحت ضغط الخوف والمال والنفوذ.

اليوم، بعد سنوات، لا أعتقد أن السؤال هو إن كان قد أصاب أم أخطأ.

السؤال الأهم: هل كنا نحن نرى ما كان يراه؟

في ذلك الوقت، اعتقد كثيرون أن العالم بعد كورونا سيصبح أكثر إنسانية. سمعنا عشرات المرات أن البشرية ستتعلم الدرس، وأن التعاون سيزداد، وأن الإنسان سيعود إلى مركز الاهتمام بعد أن اكتشف هشاشته.

لكن ماذا حدث فعلاً؟

خرجنا من الوباء لنجد أنفسنا أمام عالم أكثر توتراً لا أكثر سلاماً، أكثر استقطاباً لا أكثر تفاهماً، أكثر اعتماداً على التكنولوجيا، ولكن ليس بالضرورة أكثر وعياً بل ربما العكس.

فبينما كان تشومسكي يتحدث عن خطر الحرب النووية، كنا نظن أن هذا الحديث ينتمي إلى القرن الماضي. واليوم عادت لغة الردع النووي إلى التداول السياسي وكأن البشرية لم تتعلم شيئاً من تاريخها.

وحين كان يحذر من الاحتباس الحراري، كان البعض يتعامل معه كقضية بيئية تخص العلماء. أما اليوم فأصبحت الكوارث المناخية جزءاً من نشرات الأخبار اليومية.

لكن ما يشغلني أكثر من ذلك كله هو أمر آخر.

تشومسكي تحدث عن خطر الاستبداد القادم من الدولة، وعن هيمنة رأس المال، وعن تراجع الديمقراطية.

أما أنا فأعتقد أن ما حدث كان أكثر تعقيداً فالإنسان المعاصر لم يعد يحتاج دائماً إلى من يقمعه، لقد أصبح يشارك أحياناً في صناعة القفص الذي يعيش داخله.

أعطيناه هاتفاً في يده، ومنصة ينشر عليها، ومساحة لا نهائية للكلام، فظن أنه أصبح أكثر حرية، لكن هل أصبح فعلاً أكثر حرية؟ أم أكثر قابلية للتوجيه؟

هل أصبح يصنع رأيه، أم يستهلك آراء الآخرين؟

هل أصبح يفكر أكثر، أم يتفاعل أكثر؟

هل أصبح مواطناً، أم مجرد مستخدم؟

هذه هي المسألة التي أعتقد أننا لم نفهمها بعد، فالعالم لم يتغير فقط بسبب الحروب أو الاقتصاد أو المناخ. العالم تغير لأن معركة الوعي نفسها تغيرت.

اليوم لم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي الهدف، السيطرة على العقول أصبحت أكثر أهمية من السيطرة على الحدود. وأخطر ما في الأمر أن كثيرين لا يشعرون بذلك أصلاً. لهذا عندما أعود إلى نص تشومسكي اليوم، لا أقرأه كتحليل لكورونا، بل كتحذير من شيء أكبر.

تحذير من عالم يتقدم علمياً بسرعة مذهلة، بينما يتراجع أخلاقياً وإنسانياً وسياسياً بالسرعة نفسها.

تحذير من أن امتلاك الأدوات لا يعني امتلاك الحكمة، ومن أن كثرة المعلومات لا تعني وجود الوعي. ومن أن التقدم ليس دائماً دليلاً على الارتقاء.

ربما كان تشومسكي مصيباً في بعض توقعاته ومخطئاً في بعضها الآخر.، لكن الشيء الذي أراه واضحاً اليوم هو أن الأزمة لم تكن يوماً في الفيروس، الأزمة كانت وما زالت في الإنسان نفسه، في قدرته على التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين الحرية والفوضى، بين التقدم والاندفاع نحو الهاوية.

ولهذا أشارك هذا النص مجددًا. ليس لأن الماضي يهمني. بل لأنني أخشى أن المستقبل بدأ منذ زمن… وما زلنا نتعامل معه وكأنه لم يصل بعد.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك