
مدير التحرير
بين #الإطار والإطار… #علي_الطاهر طار
الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي
@DRMICHElCHAMMAI
إطاران ومسار سياسي واحد؛ فبعد إنجاز وثيقة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران، بات متوقعًا أن يشهد لبنان اتفاقًا إطاريًا مماثلًا مع إسرائيل.
وإذا كانت الوثيقة الأولى قد رسمت حدود العلاقة الأميركية – الإيرانية، فإن الاتفاق اللبناني – الإسرائيلي يرسم حدود المرحلة الجديدة في لبنان.
وأبرز ما يكشفه الإطاران أن واشنطن قررت الفصل الكامل بين الملفين؛ فإيران خرجت من موقع الشريك في رسم مستقبل لبنان، وأصبحت الدولة اللبنانية الطرف الوحيد الذي تتعامل معه الولايات المتحدة في أي ترتيبات أمنية أو سياسية.
وقد جاءت تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لتؤكد هذا التوجه، مشددًا على أن واشنطن تتعامل مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وأن الاتفاق يشكل بداية استعادة لبنان سيادته الكاملة، بما يعني أن زمن إدارة الملف اللبناني عبر القوى الرديفة يقترب من نهايته.
من فانس إلى روبيو… ولبنان يخرج من المظلة الإيرانية
لفهم خلفية هذين الإطارين، لا بد من النظر إلى الحراك داخل الإدارة الأميركية، حيث أصبح التنافس بين جي دي فانس وماركو روبيو جزءًا من معركة مبكرة على خلافة دونالد ترامب، فتحولت السياسة الخارجية إلى ساحة لإثبات القدرة على تحقيق الإنجازات الدبلوماسية، وأصبح نجاح الاتفاق مع إيران ثم الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل رصيدًا سياسيًا لمن يقود هذا المسار.
أما لبنانيًا، فقد تمثّل التحول الأبرز في انتزاع الورقة الإيرانية من ساحة التفاوض. فلم يعد حزب الله حاضرًا بصفته طرفًا مفاوضًا أو وسيطًا غير مباشر، بل أصبحت الدولة اللبنانية وحدها صاحبة القرار، في انتقال من مرحلة كانت فيها طهران تعتبر لبنان إحدى أوراقها الإقليمية إلى مرحلة تتعامل فيها واشنطن مع بيروت بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة.
سقوط معادلة الردع… والدولة تفاوض باسم الدولة
لم يكن سقوط تلة علي الطاهر مجرد حدث عسكري، بل سقوطًا لرمزية سياسية ومعادلة الردع التي بنت عليها المقاومة سرديتها خلال السنوات الماضية. فالقرار السياسي النهائي صدر من واشنطن، لا من الميدان، ما وجّه ضربة حاسمة للحركة المقاوماتية التي طالما قيل إن الجيش الإسرائيلي عاجز عن قهرها.
وفي موازاة ذلك، نجح الوفد اللبناني في رفض العودة إلى مشروع المنطقة الأمنية واستبداله بصيغة المناطق التجريبية، مستندًا إلى توجيهات رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ومؤكدًا أن الدولة وحدها صاحبة قرار التفاوض، بما أعاد إليها تدريجيًا موقعها المرجعي في إدارة الملفات السيادية.
الضمانات الأميركية والجنوب
الضمانات التي يراهن عليها لبنان هي ضمانات أميركية مباشرة. ورغم انحياز واشنطن لإسرائيل، فإنها أصبحت الضامن المباشر للاتفاق، بحيث إن أي إخلال به سيمس مصداقية الإدارة الأميركية، ولا سيما في ظل الاستحقاقات السياسية المقبلة. ومن هنا جاء وصف روبيو للاتفاق بأنه بداية لمسار طويل لا مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.
وبذلك تكون الولايات المتحدة قد نجحت في إخراج إيران سياسيًا من لبنان، وتطويق حزب الله عبر آليات تنسيق أميركية – لبنانية مباشرة، تجعل الجنوب عمليًا تحت مظلة أميركية. ولم تعد المنظمة صاحبة القرار في الجنوب، بل باتت تحاول الحفاظ على ما تبقى من أوراقها الداخلية، التي قد تتحول إلى عبء إذا استخدمتها في مواجهة الدولة.
إسرائيل… والمواجهة المقبلة مع الداخل
من المرجح أن يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته، ولكن ضمن قواعد اشتباك مختلفة، بحيث تبقى المناطق التجريبية خارج دائرة العمليات المباشرة، مع استمرار سياسة الاستهداف المحدود خارجها.
وفي المقابل، تحصل الدولة اللبنانية على ضمانات تمنع توسع العمليات العسكرية وتفسح المجال أمام القوى الشرعية لبسط سلطتها تدريجيًا.
غير أن التحدي الحقيقي سيكون في الداخل اللبناني، حيث يتوقف نجاح المرحلة الجديدة على قدرة الدولة على احتكار قرار السلم والحرب ومنع إعادة إنتاج واقع الدويلة داخل الدولة.
وليس مضمونًا أن يسلم حزب الله بهذه المعادلة، إلا أن أي مواجهة من هذا النوع ستكون مع الدولة اللبنانية نفسها، المدعومة عربيًا ودوليًا، ولا سيما بعد المواقف العربية الأخيرة التي أكدت دعم سيادة لبنان ووحدة مؤسساته.
قطار المرحلة الجديدة
دخل لبنان فعليًا النصف الثاني من المرحلة الجديدة، ولم تعد العودة إلى ما قبل الثامن من تشرين الأول ممكنة، كما لم تعد عقارب الساعة السياسية قابلة للإرجاع.
لقد انطلق القطار، ومن يرفض الصعود إليه لن يجد نفسه خارج التسوية فحسب، بل خارج الزمن السياسي أيضًا، بعدما بدأت المنطقة تدخل مرحلة تتراجع فيها الأيديولوجيات العابرة للدول لمصلحة الدولة والسيادة والمؤسسات.
لقد انتهى زمن إدارة لبنان من خارج مؤسساته، وبدأ زمن اختبار الدولة نفسها.
أما من لا يزال يراهن على استعادة معادلات الأمس، فسيكتشف أن التاريخ لا يعود إلى الوراء، وأن الزمن الجديد لن ينتظر أحدًا.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير