لبنان أولاً… عندما يحترق الوطن بين نار العدو وانقسام الداخل

خاص بوابة بيروت

منذ عقود، يدفع لبنان أثمان الصراعات الإقليمية والدولية، فيما يبقى المواطن اللبناني الخاسر الأكبر. فالحروب دمّرت الأرض، والأزمات أنهكت الاقتصاد، والانقسامات الداخلية مزّقت النسيج الوطني.

لا شك أن أي اعتداء على لبنان، وأي استهداف لأراضيه أو شعبه أو بنيته التحتية، هو انتهاك مرفوض للقانون الدولي ولسيادة الدولة اللبنانية. لقد دفع اللبنانيون ثمناً باهظاً من أرواحهم وممتلكاتهم، ولا يمكن لأي شعب أن يقبل بأن تتحول أرضه إلى ساحة حرب دائمة.

لكن، وفي الوقت نفسه، لا يقل إيلاماً أن يرى اللبنانيون رموز دولتهم ووحدتهم الوطنية تُستهدف من الداخل. فحين تُحرق عبارة “لبنان أولاً” على طريق المطار، فإن المشهد يتجاوز حرق لوحة أو شعار، ليطرح سؤالاً مؤلماً: هل ما زال هناك اتفاق بين اللبنانيين على أن لبنان يجب أن يكون فوق جميع الولاءات والانقسامات؟

“لبنان أولاً” ليست ملكاً لفريق سياسي، ولا لشخص، ولا لحكومة. إنها فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن تكون مصلحة الدولة فوق أي مشروع خارجي، وألا يكون القرار اللبناني رهينة لأي محور، مهما كان.

لقد رحّب كثير من اللبنانيين بالاتفاق الجديد الذي أعلنته الدولة اللبنانية، باعتباره خطوة يمكن أن تفتح باباً لاستعادة دور المؤسسات الشرعية وتعزيز سيادة الدولة على كامل أراضيها. وقد يختلف اللبنانيون حول تفاصيل أي اتفاق سياسي أو أمني، وهذا حق مشروع في أي نظام ديمقراطي، لكن يبقى التعبير السلمي واحترام الممتلكات العامة ورموز الدولة أساساً للحفاظ على السلم الأهلي.

ومن هنا، نتوجه بالتهنئة إلى الدولة اللبنانية، وإلى فخامة رئيس الجمهورية والحكومة، على أي خطوة تُقرّب لبنان من تثبيت سيادته، وتعزيز حضور مؤسساته الشرعية، وإبعاد شبح الحرب عن شعبه. ونتمنى أن يكون هذا الاتفاق بداية لمسار طويل يُعيد للبنان استقراره ويمنح أبناءه فرصة العيش بكرامة وأمان.

إن الاستقلال الحقيقي لا يُقاس فقط بانسحاب جيش أجنبي أو بتوقيع اتفاق سياسي، بل بقيام دولة قوية تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم، وتطبّق القانون على الجميع، وتحمي جميع مواطنيها دون تمييز.

يبقى الأمل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه لبنان ساحةً لتصفية الحسابات الإقليمية، ولا منصةً لصراعات الآخرين، بل وطناً سيداً، حراً، مستقلاً، تُرفع فيه راية لبنان فوق كل راية، ويكون الانتماء الأول والأخير لهذا الوطن الجميل.

لبنان أولاً… وأخيراً.

لأن الوطن يستحق أن نجتمع حوله، لا أن نحرق اسمه أو صورته، ولأن مستقبل الأجيال القادمة يبدأ عندما يصبح لبنان وحده هو الأول في قلوب جميع أبنائه.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك