الاتفاقات لا تُقاس بعدد التواقيع.. بل بقدرتها على الصمود أمام أول أزمة!

بقلم السفير رغيد الشمّاع

إنها لحظاتٌ تُكتب فيها حقوق الشعوب، أو تُهدر، وتُصان فيها السيادات، أو تُنتقص!

‏ إن ما جرى في واشنطن لا يجوز التعامل معه على أنّه مجرّد جولةٍ تفاوضية جديدة. فالمفاوضات التي تُعقد باسم الدول ليست مناسباتٍ بروتوكولية، ولا استعراضاتٍ إعلامية، ولا منصّاتٍ لتبادل المجاملات. إنها لحظاتٌ تُكتب فيها حقوق الشعوب، أو تُهدر، وتُصان فيها السيادات، أو تُنتقص.

ولذلك، فإنّ اللبنانيين الذين تابعوا صور العناق والابتسامات والمودّة المتبادلة لم يروا فيها تفاصيل شكلية، بل رأوا فيها رسالةً سياسية في غير أوانها، فيما لا تزال أجزاء من الأرض اللبنانية موضع نزاع، ولا تزال الانتهاكات مستمرة، ولا يزال مئات الآلاف من اللبنانيين يدفعون ثمن سنوات الحرب والدمار والنزوح.

إنّ لبنان يريد السلام، نعم، بل إنّ شعبه بأسره يكاد يجمع اليوم على أنّ لا خلاص لهذا الوطن إلا بسلامٍ عادلٍ ودائم. غير أنّ السلام ليس صورةً أمام الكاميرات، وليس تبادلاً للابتسامات، وليس استعجالاً للتوقيع. السلام الحقيقي هو الذي يقوم على التوازن، وعلى الاحترام المتبادل، وعلى وضوح الالتزامات، وعلى الضمانات التي تمنع أيّ طرفٍ من الانفراد بتفسير الاتفاق أو تعطيله أو الانسحاب منه وفقاً لمصلحته وحدها.

فالقاعدة الأولى في القانون الدولي، كما في أبسط قواعد التفاوض، هي أنّ الاتفاق لا يكون متوازناً إذا امتلك أحد طرفيه وحده وسائل فرض تفسيره أو تعطيل تنفيذه. وكل نصٍّ يجعل مصير الاتفاق رهناً بإرادة أحد المتعاقدين وحده، أو يمنحه سلطةً عملية على بقائه أو انهياره، إنما يزرع في داخله بذور فشله منذ اللحظة الأولى.

لقد أثبت تاريخ المنطقة أنّ الاتفاقات لا تُقاس بعدد التواقيع، بل بقدرتها على الصمود أمام أول أزمة. وما أكثر الاتفاقات التي بدت، يوم توقيعها، وكأنّها بداية عهدٍ جديد، ثم لم تلبث أن اصطدمت بالوقائع السياسية والعسكرية، فعادت الأمور إلى نقطة الصفر. لذلك، فإنّ الحذر ليس تشدداً، والتمسك بالضمانات ليس تعطيلاً، والتدقيق في كل كلمة ليس ترفاً قانونياً، بل هو جوهر العمل الدبلوماسي.

إنّ المفاوض اللبناني لا يحمل تفويضاً مفتوحاً، بل يحمل أمانة وطنٍ بأكمله. فهو يتحدث باسم أمهات الشهداء، وباسم المهجرين، وباسم القرى التي دُمّرت، وباسم دولةٍ ما زالت تسعى إلى استعادة كامل سيادتها. ومن ثمّ، فإنّ معيار النجاح ليس عدد الاجتماعات، ولا حرارة المصافحات، بل مقدار ما حُفظ من حقوق لبنان، وما مُنع من تنازلات، وما أُغلق من منافذ قد تُستغل مستقبلاً للإخلال بالتوازن الذي يفترض أن يقوم عليه أي اتفاق.

لقد علّمتنا التجارب أنّ حسن النيّة لا يكفي في العلاقات الدولية، وأنّ الدول تُبنى على النصوص الدقيقة، وعلى الضمانات المتبادلة، وعلى آليات تنفيذٍ واضحة لا تسمح لطرفٍ واحد بأن يكون في آنٍ واحد خصماً وحكماً. ومن هنا، فإنّ أي اتفاق لا يؤسس لتوازن حقيقي في الحقوق والالتزامات سيظلّ عرضةً للاهتزاز، مهما أحاطت به الاحتفالات والبيانات المتفائلة.

إنّ لبنان بحاجةٍ إلى مدرسةٍ جديدة في التفاوض؛ مدرسةٍ تجعل من السيادة خطاً أحمر، ومن الدستور مرجعاً، ومن القانون الدولي سنداً، ومن المصلحة الوطنية البوصلة الوحيدة. فلا مكان فيها للاستعراض، ولا للمجاملات التي قد تُساء قراءتها، ولا للرسائل التي توحي بأنّ الجراح قد التأمت فيما هي لا تزال مفتوحة.

فالسلام الذي يطمح إليه اللبنانيون ليس سلاماً يُفرض من موقع اختلال موازين القوى، ولا سلاماً يقوم على الغموض أو الالتباس أو الشروط غير المتكافئة. إنهم يريدون سلاماً يحفظ كرامة الدولة، ويصون سيادتها، ويضمن حقوقها، ويؤسس لاستقرارٍ دائم، لا لهدنةٍ مؤقتة تُعيد إنتاج الأزمات عند أول اختبار.

إنّ التاريخ لا يرحم المفاوضات التي تُبنى على حسن الظن، ولا يحفظ إلا الاتفاقات التي كُتبت بعقلٍ بارد، ووعيٍ قانوني، وذاكرةٍ لا تنسى دروس الماضي.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك