بقلم د. كلير فخر الدين – خاص بوابة بيروت
لم تعد التحولات في أنماط الحروب المعاصرة مجرد تطور تقني في أدوات القتال، بل أصبحت إعادة تعريف شاملة لمفهوم القرار العسكري ذاته، بما يطال بنية المسؤولية القانونية في النزاعات المسلحة. في هذا السياق، تتجاوز الحروب الخوارزمية فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة دعم، لتتحول إلى منظومة متكاملة تُدمج فيها البيانات والتحليل الخوارزمي ضمن الحلقة المركزية لاتخاذ القرار، بحيث يغدو الفعل العسكري نتيجة تفاعل معقد بين الإنسان والنظام المعلوماتي، وليس مجرد قرار بشري مباشر.
وتتمثل الإشكالية المركزية التي يعالجها هذا المقال في تحديد مدى قدرة القانون الدولي الإنساني على ضبط وتحميل المسؤولية القانونية في سياق عمليات عسكرية تُدار جزئياً أو كلياً عبر أنظمة خوارزمية، وما إذا كان إدخال الذكاء الاصطناعي إلى بنية القرار العسكري يؤدي إلى إعادة توزيع المسؤولية أو إلى إعادة إنتاجها ضمن إطار السيطرة الفعلية للدولة، لا سيما في البيئات الهجينة المعقدة مثل الحالة اللبنانية.
لم يعد الذكاء الاصطناعي عاملاً مساعداً على تحسين دقة العمليات، بل أصبح جزءاً من البنية التي تعيد تشكيل مسرح العمليات نفسه بوصفه بيئة ديناميكية تُنتج فيها الأهداف وتُعاد صياغتها بشكل لحظي وفق تدفق البيانات. هذا التحول يفرض إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للسيطرة، إذ لم تعد السيطرة العسكرية مرتبطة فقط بالوجود المادي على الأرض، بل بالقدرة على التحكم في تدفق المعلومات وتحويلها إلى قرارات عملياتية قابلة للتنفيذ الفوري.
وإذا كان هذا التحول يطرح إشكالات نظرية على المستوى الدولي، فإنه يكتسب طابعاً أكثر تعقيداً عند إسقاطه على بيئات عملياتية مركبة مثل لبنان، حيث تتداخل الجغرافيا السياسية مع الكثافة السكانية وتشابك البنى الأمنية. هنا يصبح إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري عاملاً يعيد تشكيل مفهوم التهديد ذاته، من كونه فعلاً مادياً مباشراً إلى كونه نتيجة تحليل سلوكي وبياني متقدم.
في هذا الإطار، لا يخرج القانون الدولي الإنساني عن كونه المرجعية الناظمة لاستخدام القوة، لا سيما من خلال مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة أثناء العمليات العسكرية، كما كرّسها البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977. غير أن هذه المبادئ، رغم ثباتها المعياري، باتت تواجه تحدياً تطبيقياً جديداً مع دخول أنظمة القرار الآلي إلى دائرة الاستهداف العسكري.
وقد أرست محكمة العدل الدولية في قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة عام 1986 معيار السيطرة الفعلية (Effective Control) كأساس لإسناد المسؤولية الدولية، وهو معيار لا يتأثر بطبيعة الوسائل المستخدمة، بل يرتبط بوجود سيطرة قانونية وواقعية على الفعل العسكري. كما عادت المحكمة نفسها في رأيها الاستشاري عام 2004 بشأن الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة لتؤكد أن قواعد القانون الدولي الإنساني تبقى واجبة التطبيق بغض النظر عن طبيعة الوسائل أو درجة تطورها التكنولوجي.
وفي السياق نفسه، كرّس القضاء الجنائي الدولي، لا سيما في قضيتي Tadić وČelebići أمام المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، مبدأ مسؤولية القيادة (Command Responsibility)، الذي يقوم على أن تعدد مستويات القرار أو تداخلها تقنياً لا يؤدي إلى تفكيك المسؤولية، بل يعيد تثبيتها على الجهة التي تمارس السيطرة الفعلية على منظومة العمليات. وبذلك، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي في سلسلة القرار العسكري لا ينشئ فراغاً قانونياً، بل يوسع نطاق الوسائط التقنية دون أن يمس جوهر الإسناد القانوني للمسؤولية.
وعلى هذا الأساس، فإن الانتقال إلى بيئة الحروب الخوارزمية يطرح إشكالية أكثر دقة تتعلق بحدود القرار الآلي نفسه. فالنماذج الخوارزمية، رغم تطورها، تبقى عرضة لما يُعرف بظاهرة “هلوسات الذكاء الاصطناعي”، أي إنتاج نتائج غير دقيقة أو غير مكتملة نتيجة قصور البيانات أو انحراف النموذج عن السياق العملياتي. وعندما تُستخدم هذه المخرجات كأساس لاتخاذ قرارات عسكرية، فإن الفجوة تتسع بين منطق الاحتمال الذي تقوم عليه الخوارزميات، ومنطق اليقين القانوني النسبي الذي يقوم عليه تطبيق مبادئ التمييز والتناسب.
وتتجلى خطورة هذا التحول بوضوح في الحالة اللبنانية، حيث تتداخل ثلاث طبقات عملياتية مترابطة: الميدانية، السيبرانية، والخوارزمية، ضمن بيئة واحدة لإنتاج صورة لحظية لمسرح العمليات. وفي هذا السياق، يصبح الهدف العسكري أقل ارتباطاً بالثبات الجغرافي وأكثر ارتباطاً بتحليل الأنماط السلوكية، ما يعيد تعريف مفهوم “الهدف” من كيان مادي إلى بنية بيانات متغيرة.
غير أن هذا التعقيد التقني لا يغيّر من الإطار القانوني الحاكم لمسألة الإسناد.
فوفقاً لمجموعة مواد مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً (ARSIWA) لعام 2001، يُنسب الفعل إلى الدولة متى صدر عن أجهزتها أو كان تحت سيطرتها الفعلية أو تم توجيهه أو التحكم به. وعليه، فإن إدخال الذكاء الاصطناعي لا يعدّل معيار المسؤولية، بل يعيد تشكيل أدوات الإثبات فقط، دون المساس بجوهر الإسناد القانوني.
ومن زاوية موازية، يكتسب معيار إمكانية التوقع القانونية (Foreseeability) أهمية متزايدة في هذا السياق، إذ يُفترض أن الجهة التي تدير المنظومة العسكرية قادرة على توقع النتائج المحتملة للقرارات الخوارزمية ضمن السياق العملياتي العام. وبالتالي، فإن تفويض جزء من عملية اتخاذ القرار إلى أنظمة آلية لا يُضعف المسؤولية، بل يعززها من خلال توسيع نطاق الالتزام بالمراقبة والتحكم والتقييم المستمر.
أما على مستوى السببية، فإن الحروب الخوارزمية تنقل التحليل من نموذج السببية الخطية المباشرة إلى نموذج السببية الاحتمالية متعددة العوامل، حيث لا يعود الضرر نتيجة فعل واحد منفصل، بل نتيجة تفاعل مركب بين الإنسان والنظام والبيانات. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يؤدي إلى انهيار قواعد المسؤولية، بل يستدعي تطوير أدوات الإثبات القانونية لتصبح قادرة على تتبع مسار القرار داخل بنيته الخوارزمية المعقدة.
وبناءً على ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي لا يعمل على تفكيك المسؤولية القانونية، بل على إعادة توزيعها داخل سلسلة القرار دون إلغائها. فالدولة التي تمتلك السيطرة الفعلية على منظومات الاستهداف تبقى الجهة المسؤولة قانونياً عن النتائج المترتبة على استخدامها، مهما تعددت الطبقات التقنية الوسيطة بين القرار والتنفيذ.
ومن هنا، لا تكمن الإشكالية الحقيقية في الحروب الخوارزمية في غياب القواعد القانونية، بل في كيفية تفعيل هذه القواعد ضمن بيئة تقنية شديدة التعقيد. وفي الحالة اللبنانية تحديداً، تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق التوثيق التقليدي للأضرار إلى بناء منظومة متكاملة للإثبات الرقمي، تقوم على دمج وتحليل البيانات متعددة المصادر، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية، وسجلات الاتصالات، والبيانات المفتوحة، بهدف إنتاج ملفات قانونية قابلة للاستخدام أمام الهيئات القضائية الدولية.
كما يفرض هذا الواقع إنشاء وحدات وطنية متخصصة تجمع بين القانون الدولي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، بهدف تتبع القرار العسكري داخل بنيته الخوارزمية، وإثبات العلاقة بين الفعل العسكري ونتائجه الميدانية بصورة علمية دقيقة.
فالتحدي لم يعد في إثبات وقوع الضرر، بل في إثبات بنية القرار التي أنتجته، وتحديد الجهة التي مارست السيطرة الفعلية عليه.
وفي ضوء ذلك، لا تعيد الحروب الخوارزمية صياغة قواعد القانون الدولي الإنساني، بل تعيد اختبار قدرتها على التطبيق في بيئات عالية التعقيد. ومع ذلك، تبقى القاعدة الجوهرية ثابتة: المسؤولية لا تتجزأ، والسيطرة الفعلية هي معيار الإسناد، والدولة التي تدير منظومات القرار العسكري تبقى مسؤولة عن نتائجها، مهما بلغت درجة تعقيد الوسائط التقنية التي تفصل بين القرار والتنفيذ.
وفي النهاية، فإن مستقبل المساءلة في هذا النوع من الحروب لن يُحسم بمدى تطور الذكاء الاصطناعي، بل بمدى قدرة القانون الدولي على إعادة تثبيت الإنسان كمرجع نهائي للقرار العسكري.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير