تقمّص التّاريخ

خاص بوابة بيروت

يسير التاريخ اللبناني وفقًا لحلقات متكرّرة، وما يجري اليوم هو امتداد لمسار بدأ منذ عقود. فالخلاف اللبناني في مراحل الخلاف غير اللبناني يتمظهر أكثر حول الهويّة اللبنانيّة وتشعّباتها الإشكاليّة. وهذا ما تبدّى بعد تسارع الحاديث عن الدّخول في مرحلة ما بعد الحرب.

وهذا ما يعني عمليًّا مرحلة ما بعد المقاومة. فكلّ ما يحدث من مفاوضات وضغوط دوليّة والحديث المطّرد عن مبدأ حصريّة السلاح يؤشّر إلى أنّ المنطقة دخلت في عمليّة إعادة صياغة التوازنات فيها، ولن يقتصر الأمر على إنهاء المعركة فقط. فهل سيتمّ إعادة صياغة التوازنات في لبنان أيضًا؟ أم سيتمّ إنهاء المعركة السياديّة فيه؟

في 17 أيّار 1983 حاولت الدولة اللبنانية عقد تسوية مع إسرائيل، أي بمعنى آخر اتّفاق سلام مكتمل الشروط، تمامًا كاتّفاقيّة كامب دايفد التي عقدتها مصر قبل أربع سنوات. بينما كان ميزان القوى الداخلي والإقليمي يرفضها، فسقط الاتفاق بعد أقل من عام. واليوم يبرز السؤال نفسه بصورة مختلفة: هل أصبح ميزان القوى الإقليمي يسمح بما لم يسمح به سنة 1983؟

سوريا ومحور 6 شباط اللذين أسقطا 17 أيار لم ولن يعودا. وإيران الصاعدة في ثورتها وقتذاك اليوم ثورتها هابطة إلى الحضيض. ما يعني ذلك عمليًّا أنّ أيّ إطار او اتّفاق بين لبنان وإسرائيل لن يلقى مصير 17 أيّار. فلبنان قد خرج من الملفّ الإيراني بفعل قوّة الرئاسة الأولى وإصرارها السيادي، المدعوم من أكثريّة نيابيّة وحكوميّة تضفيان المزيد من قوّة الشرعيّة لحساب إضعاف شرعيّة القوّة الت كانت مستمدّة من سوريا وإيران على السواء.

ولعلّ هذا ما يطرح إشكاليّة جوهريّة على اللبنانيين أنفسهم: هل يستطيعون صناعة قرارهم بأنفسهم للمرّة الأولى بعد عقود من الارتهان؟ وشرعيّة هذه الإشكاليّة تكمن في تدنّي مرتبة لبنان مع تقدّم المفاوضات الأميركية – الإيرانيّة. فحرب المحاور انتهت في الشرق الاوسط إلى غير رجعة، ودخلنا الآن عمليًّا في حرب استعادة الدّولة. فهل سينجح فخامة الرئيس العماد جوزيف عون بنقل لبنان من موقع المتلقّي للتسويات إلى موقع الصانع للاتّفاقيّات؟

لكن المؤسف في ما عشناه خلال الأربعين سنة التي انقضت – ولو على مضض- أنّ التاريخ لا يعيد نفسه لأن الأشخاص أنفسهم موجودون، بل لأن البنية السياسية نفسها لم تتغيّر.

وهذا ما يطرح إشكاليّة البناء السياسي بكلّ تجرّد. وهنا تبرز إشكاليّة حول هل إنّ تحديث البنية السياسيّة هو الباب لحلّ الإشكاليّة السياديّة التي ما فتئت تتفاقم منذ العام 1969؟ أم أنّه من المفترض حلّ الإشكاليّة السياديّة أوّلًا ليصار بعدها إلى البحث في كيفيّة تحديث البنية السياسيّة؟

يبقى أنّ البند الذي تمّ تاجيله منذ الطائف وحتّى اليوم، أي نزع سلاح الميليشيات وحلّها، هو الذي شكّل علّة تردّي الوضع السيادي في لبنان.

فما يطرح اليوم هو ولادة متاخّرة لدولة الطائف. والكلّ يعلم أنّ أي ولادة متأخّرة للجنين في الحالة الطبّيّة ستؤدّي حتمًا إلى وفاته. فهذا ما يؤكّد نظريّة البناء الحديث قبل استرجاع عمليّة استنهاض الأموات.

فما فات مات. ولا يمكن البناء على أجساد الأموات المتحلّلة، بل على أرواحهم الخالدة. وروح الطّائف الخالدة هي هذه التعدّديّة المجتمعيّة الإثنيّة اللبنانيّة في إطار شبكيّ جغرافيّ متداخل بطريقة عنكبوتيّة.

واليوم، بعد 37 عامًا على الطّائف و 20 عامًا على التحرير، يعود المجتمع الدولي للمطالبة عمليًا بما نصّ عليه القرار 1701 منذ عام 2006، في سياق ترتيبات أمنية جديدة على الحدود تحت مسميات المناطق التجريبيّة على وقع ما صدر عن مراجع عسكريّة وحكوميّة إسرائيليّة عن نيّة بالانسحاب من هذه المناطق.

وذلك في ظلّ تغيّر واضح للعقيدة الامنية الاسرائيليّة التي لم تعد تتحدّث عن نظريّة الحرب الخاطفة التي تمّ اختبارها في الماضي، بل أضحت العقيدة تتحدّث عن الوجود الأمني المفتوح في المناطق الأمنية، لا يبدو أنّ الاسرائيلي قد يمتثل للضغوط الأميركية في القادم من الأيام التي لا زالت حتّى الساعة تضبط إيقاع الحركة الحربية في المنطقة.

واليوم بعد كلّ هذه التجاذبات أضحى الحديث في لبنان عن الحدود بين الدّولة واللادولة ولم يعد يقتصر الحديث عن الدّولة والاحتلال.

إذا نجحت الدّولة في تحرير هذه الحدود من طرفي الاحتلال سنكون قد بدأنا دورة جديدة لتسجّل في التّاريخ الحديث.

وأيّ فشل في عمليّة التحرير هذه سنتقمّص التّاريخ ذاته ولكن بدورات مختلفة.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك